الرئيسية  حرب تشرين التحريرية

حرب تشرين التحريرية

ـ حرب السادس من تشرين أروع إنجازات أمتنا في تاريخها الحديث. 
ـ لقد كانت معارك تشرين والجولان شهادة شرف وفخار لقواتنا المسلحة وتجربة ضخمة اجتازتها في البر والبحر والجو بنجاح عظيم وبأعلى درجات الرجولة والبطولة. 
ـ انتصاراتنا في حرب تشرين رصيد كبير ودائم لشعبنا ولأمتنا، فلا انتصار مع الجهل، ولا انتصار مع الخوف، ولا انتصار مع التردد، ولا انتصار مع التخاذل.

القائد المؤسس حافظ الأسد


 الاقتحام السوري لهضبة الجولان

 

 

كانت ساعات الصباح العاشر من رمضان، 6/10/1973، تمر متباطئة كأنها أيام، فالمهام القتالية أسندت إلى جميع قادة القوى والتشكيلات، الذين قاموا بدورهم بإبلاغها إلى المستويات الأدنى. وأصبح الجيش العربي السوري كخلية من النحل تعمل بكل جد ولكن بصمت مطبق مع الحرص الكامل على تنفيذ تدابير خطة التمويه العملياتي. وبكلمة واحدة، لقد دارت رحى الحرب وأصبح من المحال وقف عجلة الزمن أو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
وفي الساعة 11,00 من يوم 6/10/1973 وصل السيد الفريق حافظ الأسد القائد العام للجيش والقوات المسلحة إلى مقر القيادة العملياتي، وأخذ مكانه في قاعة العمليات وبدأ يتلقى جاهزية القوات لبدء الحرب.
وفي الساعة 13,00، أبلغتْ القوى الجوية عن استعدادها التام لتنفيذ المهمة المسندة كما أبلغ قائد سلاح مدفعية الميدان عن جاهزية سلاحه لتنفيذ رمي التمهيد. كما أبلغ قادة فرق النسق الأول عن جاهزية مجموعات الاقتحام لاقتحام خط التحصينات الإسرائيلية في هضبة الجولان بالقوة.
كان التنسيق بين رمايات المدفعية والطيران يقضي بأن تسقط أول قنبلة على الهدف في اللحظة التي تجتاز فيها تشكيلاتنا الجوية خط الكشف الراداري المعادي، لذلك أُعطي الأمر للطائرات بالإقلاع لتنفيذ مهامها قبل أن تعطى الإشارة الرمزية لوحدات المدفعية بفتح النيران.
وفي الساعة 13,50 أعطي الأمر لطائراتنا القاذفة المقاتلة بالإقلاع من مطاراتها باتجاه العدو، وفي الساعة 13,55 أعطي الأمر للمدفعية بفتح نيران التمهيد على الأهداف المعادية في الجولان.
في الساعة 14,00، كان ما يقارب تسعمائة مدفع وهاون تصب نيرانها على الموضع الأول المعادي وعلى جميع الأهداف الموجودة في الجولان والتي لم يخصص لها جهد جوي،

 

 

 

 كما كان أكثر من ثمانين طائرة مقاتلة وقاذفة مقاتلة تجتاز خط وقف إطلاق النار والحدود الدولية اللبنانية لتسقط قنابلها على مراكز توجيه الطائرات في ميرون وجبل الشيخ وتل أبو الندى وتل الفرس، وعلى تجميع الدبابات المعادي في منطقة العليقة كفر نفاخ وعلى كل الجسور القائمة على نهر الأردن.

كانت نتائج الضربة الأولى والتمهيد المدفعي مؤثرة جداً. وما ان انتقلت نيران المدفعية إلى عمق الدفاعات المعادية حتى بدأت مجموعات اقتحام فرق النسق الأول «7 ـ 9 ـ 5»، تقدمها للهجوم.

 

 

 

كانت الفكرة العملياتية للهجوم على الجولان ترتكز أساساً على حشد القوى والوسائط المتفوقة على العدو سواء في قطاعات الخرق أو في كل مواجهة الجبهة، مع حساب احتمال زج الاحتياطات القريبة المتحشدة غربي نهر الأردن، ثم صدم العدو بقوة على الاتجاهات كافة، حيث كان الهدف تدمير العدو المتحصن في الهضبة وسحقه نهائياً. وكان الاعتقاد راسخاً بأنه إذا تمكنت القوات السورية المهاجمة من سحق وتدمير 4 ـ 5 ألوية مشاة ودبابات إسرائيلية مع تعزيزاتها فإن العدو لن يتمكن بقوى الجبهة الشمالية من شن هجوم معاكس واسع النطاق على الجبهة السورية، وبعبارة أدق كان الهدف أن يهاجم العدو باتجاه دمشق على رجل واحدة، لأن القوات المهاجمة قد كسرت له الرجل الثانية في العملية الهجومية.
بدأ الهجوم في الساعة الثانية من بعد ظهر يوم العاشر من رمضان 6 تشرين الأول، أكتوبر 1973، وكانت السماء صافية الأديم والشمس تزحف نحو الغرب داعية القوات المهاجمة لمحو عار هزيمة يوم 5 حزيران 1967.
كانت الخطة العملياتية تقضي بتوجيه ثلاث ضربات قوية بقوى فرق النسق الأول «7- 9 - 5» مع توجيه ضربتين مساعدتين واحدة بقوى اللواء 52 مشاة، والثانية بقوات التجريدة المغربية التي جاءت إلى سورية قبل الحرب، للمشاركة في حرب التحرير.

 

 عمليات اليوم الأول 6 تشرين الأول »أكتوبر« 1973

 

 

القطاع الشمالي:
قامت الفرقة السابعة مشاة مع وسائط تعزيزاتها بالهجوم في الساعة (س) موجهة الضربة الرئيسية باتجاه: حلس - أوفانا ـ القلع، وقد تأخر عبور قوات الفرقة عن المحدد لها في الخطة العامة بسبب مقاومات العدو العنيفة. وقد تمكن اللواء 85 مشاة من عبور الثغرات المفتوحة ومهاجمة خط المقاومة الرئيسي المعادي ولقاء الدبابات المعادية في تل الشيخة وضهرة ابراهيم وعين الحمراء. أما اللواء 68 مشاة، فقد توقفت كتائبه عن العبور لأن وسائط عبوره قد دمرت كلها. وهذا ما اضطر قائد الفرقة إلى زج اللواء 78 دبابات في المعركة قبل آخر ضوء يوم 6 تشرين الأول، مستفيداً من الثغرات التي فتحها اللواء 85 مشاة. وقريباً من الساعة 20,30، بدأ اللواء 78 دبابات بمهاجمة خط مقاومة العدو الرئيسي. وقد تعرض لنيران الدبابات المعادية والصواريخ المضادة للدبابات من النقاط المعادية في كل من عين الحمراء وضهرة الأرانب والقطرانة والخوين وضهرة ابراهيم فتوقف أمامها، واشتبك معها مدمراً عدداً كبيراً من دبابات العدو.
حققت الكتيبة 183 مغاوير « التي كانت تهاجم على المجنبة اليمنى لوحدات الفرقة» مهمتها بنجاح تام، ووصلت في الساعة 18,00 إلى سهل اليعفوري على مسافة 1 كم غربي قرية مجدل شمس. كما حققت الكتيبة 82 مظلات مهمتها بنجاح، واستطاعت أن تستولي على المرصد المعادي في جبل الشيخ. 
أما القوات المغربية التي كانت تقاتل على هذا القطاع فقد وصلت في الساعة 16,00 إلى جنوب غربي نقطة سحيتا ومشارف رويسة أبي رميد، وقد استطاعت إحدى السرايا الالتفاف من الطرف الشمالي الغربي لنقطة استناد سحيتا، واحتلال منعتين منها، بينما حاصرت باقي القوات النقطة المذكورة.
القطاع الأوسط:
قامت فرقة المشاة التاسعة مع وسائط تعزيزها، بالهجوم موجهة الضربة الرئيسية باتجاه: كودنة ـ الرزانية ـ القادرية، وتمكنت الكتيبة 243 من اللواء 33 مشاة من اقتحام الخندق المضاد للدبابات. أما اللواء 52 مشاة، فقد عبرت منه الكتيبة 222 مش، وسرية من الكتيبة 159 مش.
وقد تعرض اللواء 51 دبابات أثناء عبوره وتقدمه لمقاومات معادية من غرب تل شعاف السنديان والعرايس وتل فزارة، وقد اشتبك معها ودمرها، ثم تابع تقدمه حتى وصل إلى خط المشتى ـ تخوم السلوقية. وفي الساعة 23,00 أُعطيت التعليمات للواء 43 دبابات بالعبور خلف اللواء 51 دبابات والزج في المعركة على يمين اللواء 51 دبابات. وقبل زج اللواء 43 دبابات في المعركة، تحركت كتبية منه بأمر من القيادة العامة باتجاه القنيطرة على محور الجويزة ـ عين زيوان ـ من أجل مساعدة اللواء 52 في احتلال القنيطرة. وفي الساعة 21,00، احتلت كتيبة من قوات حطين التابعة لجيش التحرير الفلسطيني تل الشعاف الكبير ومنطقة تبعد 500 متر إلى شمال تل عباس، وتمكنت من تدمير دباباتين، ثم اتجهت باتجاه تل السماقات، وتوقفت على السفوح الشمالية لتل الشعاف الكبير.
القطاع الجنوبي:
قامت الفرقة الخامسة المشاة مع وسائط تعزيزاتها بالهجوم بتوجيه الضربة الرئيسية في اتجاه:أماللوقس- تل الجوخدار- أم الدنانير - القصيبة الجديدة، وضربة أخرى مساعدة باتجاه أم اللوقس- الجرنية - العال - فيق. وقد نجحت تشكيلات الفرقة ووحداتها في اقتحام الخندق المضاد للدبابات في تمام الساعة 15,30، وإقامة رأس جسر في قطاع هجوم اللواء 61 مشاة. وقد اضطر قائد الفرقة نتيجة للخسائر في الدبابات والعربات القتالية، إلى أن يزج لوائي النسق الثاني «اللواء 12 دبابات واللواء 132 مشاة» لتطوير الهجوم في عمق الأرض المحتلة. استطاع اللواء 61 مشاة وقسم من اللواء 112، مشاة أن يتابع تقدمها بعد زج النسق الثاني للفرقة، وبذلك تحققت المهمة المباشرة للفرقة في الساعة 18,00 وخلال ليلة 6 - 7 تشرين الأول، بدأت تشكيلات الفرقة بإعادة تجميعها والتمسك بالخط المحتل والإمداد بالذخيرة والمحروقات.
الموقف في نهاية اليوم الأول من الحرب:
انتهت عمليات اليوم الأول بنجاح عظيم، فقد تمكنت معظم القوات من عبور الخندق المضاد للدبابات واستولت على معظم الموضع الأول المعادي، وجرفت القوات السورية الأعداء أمامها كالمياه الطامية ـ على حد تعبير أحد الضباط الإسرائيليين الذين قاتلوا في الجولان ـ الأمر الذي بلغ تأثيره النفسي والمعنوي على القيادة الإسرائيلية مبلغاً عميقاً جداً. وقد قامت المدفعية بدور هام خلال الأعمال القتالية، وقدمت المساعدات القيمة لنجاح العبور، كما نفذت القوى الجوية المهام المسندة إليها بنجاح عظيم. فكسبت معركة الجو قبل بدء الهجوم. وأحرزت تفوقاً جوياً ملحوظاً على طول مواجهة الجبهة ومنعت الطائرات المعادية من تحقيق أهدافها. كما أسهمت وحدات الدفاع الجوي بتغطية التجمع الرئيسي للجيش وأسقطت عدداً كبيراً من طائرات العدو. 
وفي الساعة 15,00 تم الإنزال الجوي على مرصد جبل الشيخ المعادي وتابعت معظم التشكيلات تقدمها: 
الفرقة 7 مشاة: مرصد جبل الشيخ - الصوانة - مرج الطبل - المرتفع 964. 
الفرقة 9 مشاة: 1كم شرق القنيطرة - القحطانية - السفوح الشمالية والجنوبية لتل شعاف السنديان. 
الفرقة 5 مشاة: السفوح الشرقية لتل القلع - السفوح الشرقية لتل الجوخدار- التخوم الشرقية للجرنية- السفوح الشمالية الغربية لتل السقي.

 

 الاقتحام الرأسي لجبل الشيخ

اتسمت معركة جبل الشيخ بأهمية عسكرية بالغة. وهي تعتبر من الأحداث الهامة في حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، وتحتل مكاناً خاصاً في تاريخ هذه الحرب. فهي أول معركة استطاعت أن تحطم الغرور والادعاء الإسرائيلي، وفيها تمكنت قواتنا الخاصة من احتلال قلعة منيعة من قلاع العدو، الذي صورته الدعاية الصهيونية أنه قوة لا تقهر. ففي هذه المعركة تم تدمير الوحدات المعادية في مرصد جبل الشيخ، كما تم أسر عدد من الإسرائيليين بأقل وسائط ممكنة في تاريخ الحروب. 
كان مرصد جبل الشيخ المعادي يرتفع عن سطح البحر 2224 متراً وكان بطبيعته موقعاً منيعاً. وهو يسيطر على كل المناطق الممتدة من سفوح جبل الشيخ الشرقية، إلى غوطة دمشق وسهول حوران. وإن السير عبر المسالك المؤدية إلى المرصد أمر في غاية الصعوبة. وكان معلوماً لدى القيادة أن العدو جعل من هذا الموقع قلعة حصينة، وجهز بأحدث الأجهزة الالكترونية للاتصال والمراقبة والتشويش. 
في ليلة 6 تشرين الأول، وقبل بدء الهجوم، تمكنت مجموعة من الوحدات الخاصة من الوصول إلى محور شبعا ـ جبل الشيخ، حيث نصبت كميناً لقطع الطريق على القوات القادمة لنجدة المرصد أثناء مهاجمته من قبل قواتنا. وفي ظهر يوم 6 تشرين الأول، ابتدأت المعركة من أجل احتلال المرصد المعادي، بعد بدء التمهيد الناري. حيث تقدمت الموجة الأولى من الوحدات الخاصة باتجاه المرصد المعادي، قد كان من المقرر أن يتم اقتحامه على شكل موجات متلاحقة، وتتكون كل موجة من مجموعة من المقاتلين يتقدمهم ضابط. أما مجموعة الحماية فقد تمركزت مسبقاً في المنطقة الغربية منه، ومهمتها تدمير أية قوات معادية تتقدم باتجاه المرصد.

 

 

 

وعند وصول الموجة الأولى إلى المرصد، اندفعت نحو المدخل الخارجي، وتمكنت من تدمير الرشاش 12,7 مم، الذي فتح نيراناً غزيرة عليها.

 

وقد أُصيب قائد الموجة الأولى الملازم أول جاسم الصالح برشقة في صدره فسقط جريحاً أمام مسند الرشاش المعادي ثم سقط جريح ثانٍ، وثالث. حينئذ تولى النقيب محمد الخير الذي كان يشرف على التقدم قيادة المجموعة الأولى، وفي هذه الأثناء اندفع أحد مقاتلي المجموعة الأولى باتجاه سارية العلم الإسرائيلي المرفوع فوق المرصد. إلاّ أنّ رشقة نارية (عربة مدرعة معادية عليها رشاش 12,7 مم). حالت دون وصوله إلى العلم، فسقط شهيداً مضرجاً بدمائه تحت السارية. 
قاوم الإسرائيليون بكل صلابة وعناد. واتخذ القتال طابع العنف الشديد ولاسيما عندما تم إنزال جوي رأسي بوساطة طائراتنا العمودية فوق المرصد، واندفعت عناصر الإنزال بجرأة نادرة تقاتل جنباً إلى جنب مع عناصر الموجة الأولى. وبإشارة من النقيب المشرف على التقدم قفز أحد المقاتلين على العربة المدرعة من فوق السور الداخلي، وتمكن من قتل الإسرائيليين اللذين كانا يفتحان النار على المقاتلين. بعدها اندفع النقيب باتجاه سارية العلم، وعندما حاول أحد الإسرائيليين قتله، بادره بقنبلة يدوية أردته قتيلاً، وصعد النقيب الدرج المؤدي إلى سارية العلم. وعلى الرغم من النيران الإسرائيلية، أمسك بالعلم، وأخذ يلوح به بيديه وهو يردد صيحة النصر: الله أكبر.. الله أكبر عاش الفريق الأسد. ولم يكد المقاتلون يسمعون صيحة النصر، تُجلجل في الموقع حتى اندفعوا كالصواريخ وهم يرددون: الله أكبر.. الله أكبر، التي انطلقت من حناجرهم هادرة كالرعد القاصف واقتحموا الموقع الحصين،كل منهم باتجاه الهدف المحدد له. 
شاهد أحد المقاتلين ضابطاً إسرائيلياً يحاول رمي النقيب محمد أثناء اندفاعه إلى سارية العلم، فأسرع كالبرق الخاطف، وهدد الضابط الإسرائيلي بقنبلة يدوية طالباً منه رمي السلاح والاستسلام، فأسقط في يده، ورفع يديه مستسلماً. وأثناء القتال العنيف، الذي دار فوق المرصد،

 

 

 

تم إنزال مجموعة أخرى من الوحدات الخاصة بالحوامات إلى الغرب من المرصد المعادي، وعلى بعد ثلاثة كيلو مترات، حيث نصبت المجموعة كميناً على محور مجدل شمس ـ جبل الشيخ.
وبعد نجاح عملية اقتحام المرصد، التي لم تستغرق سوى نصف ساعة، تحركت مجموعة التطهير، وقامت بتطهير سراديب المرصد. وقد تمكنت من أسر عدد من الإسرائيليين، الذين كانوا مختبئين في الغرف الداخلية ضمن السراديب. وفي صباح 7 تشرين الأول قام العدو بقصف جوي ومدفعي متواصل وشديد على المرصد المحتل ـ إلاّ أنه لم يسفر عن أية نتيجة وتابعت المجموعات القتالية أعمالها في تنظيم الدفاع عن المرصد، وإخلاء الشهداء والجرحى، كما تابعت تطهير الممرات والسراديب الداخلية، حيث ظلت بعض الغر مغلقة بأبوابها الحديدية التي لا ينفذ منها الرصاص، وكلفت مجموعتان بمتابعة التطهير، وقد استعانت هاتان المجموعتان بالأسرى، لاسيما الشرقيين منهم، من أجل الاهتداء إلى مداخل المرصد ومخارجه، وجرت عملية التطهير بصورة ناجحة على الرغم من بعض العناصر المعادية التي أبدت مقاومة كبيرة، واحتمت خلف الأبواب الحديدية السميكة في الغرف الداخلية. إلا أن القنابل الدخانية والقنابل اليدوية الهجومية، التي أُلقيت عليهم من فتحات التهوية في سطح المرصد، اضطرتهم للخروج والاستسلام، وهدأ النقيب من روعهم وأخبرهم أنهم سيعاملون كأسرى. وفي صباح 8 تشرين الأول حين كان مقاتلو الوحدات الخاصة في أماكنهم حول التباب المحيطة بالمرصد. وفجأة دوى انفجار قنبلة من طائرة معادية فزلزل الأرض. وتبع الانفجار الأول انفجار ثانِ وثالث. وتوالت الانفجارات من طيران العدو ومدفعيته.
سمع قائد مجموعة الكمين على محور مجدل شمس ـ جبل الشيخ، هدير محركات وصليلاً (سلاسل دبابات ومجنزرات..) وكان الجو يتميز بالضباب الكثيف الذي ينقشع لفترة قصيرة ثم يعود. ومن موقعه الدفاعي شاهد الدبابات المعادية تتقدم على محوري مجدل شمس ـ جبل الشيخ، وشبعا ـ جبل الشيخ باتجاه المرصد. أخبر قائد الكمين النقيب.. وكانت عناصر القواذف المضادة للدبابات موزعة ما بين المرصد والكمين على مجموعات، تتألف كل مجموعة من ثلاثة مقاتلين مزودين بالرشاشات الخفيفة والمتوسطة والقنابل المضادة للدبابات. وزرعت الألغام على المحورين زرعاً ظاهرياً لإرغام الدبابات على الوقوف، وترجل عناصر العدو لإزالتهم فيكون الجميع هدفاً واضحاً للنيران. تابعت الدبابات المعادية تقدمها، وكمن المقاتلون في مواقعهم، منتظرين وصول أولى الدبابات. وما هي إلاَّ نصف ساعة،حتى وصلت دبابات العدو وتوقفت أمام الألغام الملقاة بطريقة واضحة على الطريق، وترجل منها الجنود الإسرائيليون لإزالة الألغام. وهنا انهال المقاتلون على جنود العدو ودباباته، وأخذوا يقذفونها بالقنابل المضادة للدبابات فاشتعلت النيران فيها. ولقد قدر عدد الدبابات المتقدمة على محور مجدل شمس ـ جبل الشيخ بـ 35 دبابة ومجنزرة. وعلى محور شبعا ـ جبل الشيخ بحوالي 45 دبابة ومجنزرة. وفي هذه الأثناء بدأت المعركة، وأخذ النقيب محمد قائد المجموعات يتلقى تقارير القتال من مجموعات الهضاب الغربية عن تسلل عناصر معادية. وكان الأمر الصادر عنه: دمر العدو، وامنعه من التقدم. ونشبت في منطقة الهضاب الغربية اشتباكات مباشرة بين المقاتلين والإسرائيليين، استخدمت فيها الرشاشات والقنابل اليدوية والحراب. وأثناء القتال العنيف، تمكنت مجموعة معادية من التسلل من سفوح المرصد الجنوبية الشرقية المقابلة لقرية حضر. إلاّ أن أحد الضباط المقاتلين قام مع خمسة من عناصر مجموعته بالالتفاف حول السفوح الشرقية الجنوبية للمرصد، بينما قام ضابط آخر بتثبيت العدو بالنيران وتمكن الضابط الأول من تركيز رشاشاً متوسطاً على إحدى الهضاب، وفتح النيران فجأة على العدو ودمره.

 

وعندما تابعت بقايا من دبابات العدو تقدمها على المحورين المذكورين، تكفلت بالقضاء عليها المدافع المضادة للدبابات المتمركزة في الهضاب، واندفع المقاتلون يصبون سعيرهم عليها، وشتت غزارة النيران تشكيل العدو القتالي. ومن البطولات الرائعة قيام أحد المقاتلين بمأثرة بطولية.. فأثناء صد هجوم العدو المضاد، أمسك بقنبلة يدوية، وزحف باتجاه دبابة القائد المعادي، وانتظر حتى اقتربت الدبابة، وبقفرة واحدة، تسلق جسم الدبابة من أعلى، وفتح الغطاء وألقى بنفسه وبقنبلته اليدوية فيها. وفجأة أصبحت الدبابة الرهيبة كتلة من الخردة والحديد المحترق. وعندما تبدد الدخان، شاهد المقاتلون الدبابة مشتعلة واندفعوا بحماسة وإقدام ليثأروا للبطل الشهيد. 

كان صمود الوحدات الخاصة وحماستهم مفاجأة تامة للعدو، الذي سرعان ما لجأ إلى الفرار من أرض المعركة، بعد أن خلف عشرات القتلى وراءه. إلاّ أن المقاتلين من مغاوير الوحدات الخاصة كانوا للعدو المنسحب بالمرصاد. وقد تمكنت سرية مغاوير، كانت تهاجم في منطقة مجدل شمس على مجنبة الفرقة السابعة من تدمير العناصر المعادية المنسحبة. وأنزلت بهم خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. لقد أصبحت هزيمة مجموعة الدبابات المعادية التي اندحرت في منطقة جبل الشيخ مأثرة من مآثر البطولات الخارقة لا يرقى إليها الشك. ولقد منح النقيب محمد الخير وبعض المقاتلين وسام «بطل الجمهورية» تقديراً لما أبدوه من جرأة وشجاعة في هذه المعركة.

 

 عمليَّات اليوم الثاني 7 تشرين الأول (أكتوبر) 1973

في ليلة 6 - 7 تشرين الأول أصدرت القيادة العامة أوامر إلى التشكيلات بالإسراع في احتلال المرتفعات والتمسك بها، لأن العدو أخذ يدفع احتياطاته من العمق لتعزيز وحداته في نقاطه الأمامية، لاسيما على المرتفعات، ورؤوس الوديان. 
في أول ضوء من يوم 7 تشرين الأول تابعت التشكيلات الصديقة تقدمها في عمق مواقع العدو الدفاعية، ومن أجل استثمار نجاح تشكيلات النسق الأول وسبق العدو في دفع احتياطاته، أمرت القيادة العامة في الساعة 8,00 بزج الفرقة الأولى دبابات في المعركة من الخط المقرر: تل يوسف - السلوقية على أن تكون على خط الزج في الساعة 13,00 وعلى الرغم من الهجمات المعاكسة الإسرائيلية، تابعت القوات ضغطها وتقدمها، وكان الاندفاع مركزاً على القطاعين الأوسط والجنوبي. 
لوحظ خلال هذا اليوم (7 تشرين الأول) تركيز الهجمات الجوية والبرية على الجبهة العربية السورية، إذ سرعان ما ظهرت الطائرات المعادية، وبدأت تنقض على قواتنا، واشتدت رمايات المدفعية. غير أن قواتنا الجوية ووسائط دفاعنا الجوي واجهت الطيران المعادي بجرأة وشجاعة، وحققت إصابات عالية في الطائرات المعادية. ولقد شعر الإسرائيليون بأن لا سبيل إلى تحليقهم فوق القوات السورية دون عقاب.

 

القطاع الشمالي:
في هذا اليوم واجهت كتيبتان من اللواء 85 مشاة نيراناً شديدة من دبابات العدو في تل الشيخة وضهرة الأرانب. فاضطرتا للتراجع إلى غرب الخندق المعادي المضاد للدبابات، أما الكتيبة الثالثة فقد بقيت متوقفة أمام نقطة استناد جسر الرقاد، وتبادلت الاشتباك بالنيران مع دبابات العدو. 
في الساعة 1,00 يوم 7 تشرين الأول قام العدو بتقديم احتياطاته من العمق من الاتجاهات التالية: 
• رتل يقدر بكتيبة دبابات من اتجاه: مسعدة ـ ضهرة الأرانب. 
• رتل يقدر بكتيبة دبابات من اتجاه: واسط ـ المنصورة. 
• رتل يقدر بكتيبة دبابات من اتجاه: كفر نفاخ ـ القنيطرة ـ المنصورة. 
وفي الساعة 12,15 احتلت الأرتال المعادية القائمة بالهجوم المعاكس الخط: ضهرة الأرانب ـ السفوح الجنوبية الشرقية لتل الشيخة ـ تل البرم ـ ضهرة المنصورة ـ ضهرة إبراهيم ـ شمال شرق المنصورة بـ1 كم وتمكن العدو من تشكيل سد في وجه اللواء 78 دبابات. الذي اشتبك معه بالنيران، واستطاع الصمود وإنزال الخسائر الفادحة في الوحدات المعادية المذكورة، وبعد قتال عنيف تمكن اللواء 78 من التملص من المعركة بعد أن تكبد خسائر كبيرة في العتاد القتالي. وفي الساعة 14,25 زج لواء آخر هو اللواء 121 مشاة لمهاجمة خط المقاومة الرئيسي للعدو، وتعرضت وحدات اللواء لنيران الهاون والمدفعية والدبابات من تل الشيخة - ضهرة الأرانب - الثلجيات. وقامت مجموعة مدفعية الفرقة بفتح نيرانها على مصادر نيران العدو وأسكتتها. 
القطاع الأوسط:
تمكن اللواء 33 مشاة من إنهاء اقتحام الخندق المضاد للدبابات بفضل اندفاع اللواء 43 دبابات واللواء 51 دبابات، واشتباكهما مع المقاومات خلف تل شعاف السنديان وتل فزارة. وفي الساعة 14,30 وصل اللواء 33 مشاة إلى الخط: عين عيشة - السفوح الجنوبية الشرقية لتل يوسف - شمال الرمثانية. وقد أُسندت للواء مهمة تأمين زج الفرقة الأولى دبابات من الخط المحتل. وفي الساعة 12,00 تحرك اللواء 43 بأمر من القيادة العامة باتجاه القنيطرة من أجل مساعدة اللواء 52 مشاة على احتلالها. 
وفي الساعة 1,00 عبرت الكتيبة 211 من اللواء 43 دبابات الثغرات وتوجهت إلى القنيطرة بناء على أمر القيادة لمساعدة اللواء 52 مشاة على احتلالها. وقد فوجئت الكتيبة عند وصولها إلى منطقة الغسانية بكمين معاد مؤلف من دبابات وصواريخ مضادة للدبابات. وبعد قتال عنيف استمر ساعة دمر الجزء الأكبر من دبابات الكتيبة كما دمر للعدو بالمقابل عدد كبير من الدبابات. بينما تمكنت الكتيبة 212 من اللواء 43 دبابات من الوصول إلى الدبورة، حيث اشتبكت في صراع بطولي مع دبابات العدو المتفوقة، ودمرت 15 دبابة معادية وعدداً من العربات المجنزرة. ولم يتبق من الكتيبة سوى 3 دبابات التحقت باللواء في منطقة الخشنية. 
استمر قتال اللوائين 51 و43 دبابات حتى الساعة 6,00 ووصلا إلى الخط: الخشنية ـ تل الطلائع كما وصلت بعض الوحدات من اللواء 51 دبابات إلى الخط: المشتى - السلوقية، غير أنها اضطرت تحت ضغط قوى العدو للتراجع إلى الخط: الخشنية- تل الطلائع. ولقد أعاد اللواءان تجميع قواتهما في منطقة الخشنية وتل الطلائع، واشتبكا في قتال عنيف ضد الدبابات المعادية التي حاولت شق طريقها نحو الشرق بمعاونة المدفعية والصواريخ المضادة للدبابات، ونجحا في إيقاف دبابات العدو. وبرزت بطولات مشرفة في معركة الخشنية. 
في القطاع الأوسط أعطيت التعليمات إلى اللوائين 51 و43 دبابات واللواء33 مشاة بالتمسك بالخطين اللذين تم احتلالهما،وتأمين زج الفرقة أولى دبابات. تمكن اللواء 52 مشاة من الوصول إلى المنطقة جنوب شرق القحطانية، والتخوم الجنوبية الشرقية لبلدة القنيطرة، والاشتباك في قتال عنيف مع العدو الذي استخدم كمائن الدبابات والصواريخ المضادة للدبابات. وقد فوجئت إحدى قطعات اللواء بهجوم معاكس من دبابات العدو، فتراجعت إلى شرق الخندق المعادي المضاد للدبابات. إلاّ أن قائد الفرقة شدد على قائد اللواء بضرورة تدمير العدو والاقتحام ثانية، وخصص له جزءاً كبيراً من المدفعية لدعم أعماله القتالية. وفي الساعة 15,00 ألحق اللواء بأمر القيادة العامة بالفرقة 7 مشاة، وعزز بكتيبة دبابات، وأسندت له مهمة احتلال مدينة القنيطرة بالتعاون مع اللواء 121 مشاة. 
زجّ الفرقة الأولى دبابات في الموقعة: 
في الساعة 8,00 تلقى قائد الفرقة الأولى دبابات العقيد الركن توفيق الجهني الأمر بزج قواته على الخط: تل يوسف - السلوقية، باتجاه: كفر نفاخ – واسط - القلع، بمهمة تدمير قوات العدو في المنطقة: حرش عين زيوان - كفر نفاخ ، ثم التقدم باتجاه: البجة - واسط - سكيك ـ وتطويق القوات المعادية وتدميرها، بالتعاون مع قوات الفرقة 7 مشاة. 
وفي الساعة 11,15 وصلت وحدات اللواء 91 دبابات إلى خط الزج أما وحدات اللواء 76 دبابات، فقد فتحت نيرانها قبل خط الزج بـ 2 - 2,5 كم، وذلك لوجود مقاومات معادية في السلوقية ولفقد قائد اللواء اتجاهه وهذا ما سبب تأخر وصوله إلى خط الزج. 
تعرضت وحدات النسق الأول للفرقة الأولى دبابات لنيران غزيرة من القواعد الصاروخية والدبابات المتخندقة في البساتين، غربي تل يوسف والدلهمية والسنديانة والسلوقية، مما اضطر ألوية النسق الأول إلى زج أنساقها الثانية قبل الأوان. وحتى الساعة 17,00 كانت وحدات الفرقة قد وصلت إلى مشارف نهر الأردن. وهنا دار قتال شديد وعنيف، إذ اندفعت قوات مدرعة كبيرة معادية ودخلت مع قواتنا المدرعة في معركة تصادمية، ولقد أمكن تدمير معظمها مع قتل وجرح أطقمها وإصابتهم بجروح، كما احترق عدد كبير من دبابات العدو، وتكبدت قواتنا خسائر في الرجال والعتاد. وخلال الليل أُعطيت التعليمات للانتقال إلى الدفاع الدائري على الخط المحتل، مع الاستعداد لصد هجمات العدو المعاكسة قبل أول ضوء، وتنظيم التأمين المادي والفني والطبي. 
حتى الساعة 17,00 لم يتمكن اللواء 58 ميكانيكي من زج قواته في المعركة، على الرغم من تلقيه الأمر بذلك، بسبب مقاومة العدو والقصف الجوي المركز على أرتال هذا اللواء، مما اضطر قائد الفرقة إلى إعطائه الأمر بالانتقال إلى الدفاع على التخوم الشمالية الغربية والجنوبية لعين وردة، إذ كان قد وصل قسم من وحدات اللواء إليها بعد الساعة 17,00. 
القطاع الجنوبي: 
ابتداء من صباح 7 تشرين الأول، استأنفت الفرقة 5 مشاة هجومها ووصلت حتى الساعة 10,00 إلى خط المهمة القتالية، وعلى هذا الخط بدأت تتعرض لنيران المدفعية المعادية والطيران الذي استخدم النابالم في قصف قطاعات اللواء 132 في غارات متتالية. وفي الوقت نفسه بدأت بعض دبابات العدو المنسحبة، وبعض الدبابات القادمة من العمق، بشن هجمات جزئية متعددة ومن اتجاهات مختلفة ضد قوات الفرقة، بغية إيقافها وكسب الوقت لتقديم احتياطات من العمق. وفي هذا الموقف لم يكن باستطاعة تشكيلات الفرقة متابعة تقدمها، لما تكبدتهمن خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد. وأصبحت، في آن واحد، معرضة لهجوم معاكس محتمل بقوى كبيرة، فاضطر قائد الفرقة إلى أن يطلب من القيادة العامة الموافقة على زج اللواء 47 دبابات في القتال لصالح معركة الفرقة، على أن تكون مهمته تطوير الهجوم في العمق واحتلال الخط: سكوفيا- فيق خارجاً -الياقوصة، والتمسك بهذا الخط. 
وفي الساعة 5,30 من يوم 7/10/1973،أسند رئيس أركان الفرقة الخامسة المهمة القتالية إلى اللواء لزجه في المعركة ابتداءً من الخط: (قرية القريعة - عين جديد) والهجوم باتجاه فيق واحتلال الخط (فيقـ سكوفيا) والتشبث به. وفي الساعة 11,00 من يوم 7/10/1973، وصلت كتائب اللواء إلى خط الزج وبدأ اللواء هجومه بالاتجاه المذكور وكانت في النسق الأول الكتيبة الأولى إلى اليمين والكتيبة الثانية إلى اليسار. وكان هذا اللواء قد شُكل حديثاً ومعظم عناصره تجهل طبيعة الأرض في الجولان، لذلك اضطر قائد اللواء، وهو في هذا الموقف الصعب إلى أن يوزع مقري الرصد والقيادة على الشكل التالي: 
1 ) قائد اللواء يرافق ويوجه أعمال الكتيبة اليمنية. 
2 ) رئيس أركان اللواء يرافق ويوجه أعمال الكتيبة اليسارية. 
وقريباً من الساعة 4,00 من يوم 7/10/1973، أعلم رئيس أركان اللواء قائد اللواء بوجود مقاومة كبيرة أمام هجوم الكتيبة اليسارية. وبعد وقت قصير من هذا الإعلام عاد وأعلم قائد اللواء بصعوبة الموقف لدى هذه الكتيبة وطلب موافقته بزج النسق الثاني على الخط جنوب غربي خسفين /1 كم/. أما القوات المعادية المواجهة لهاتين الكتيبتين فقد قدرت بما يقارب كتيبة دبابات معززة. ولم يتمكن قائد اللواء من متابعة معركة هذه الكتيبة لوجود وادٍ مانعٍ يفصل بين الكتيبتين. وقد تابعت الكتيبتان هجومهما بالاتجاه المطلوب حتى دخلت بعض الدبابات قرية العال. 
وفي الساعة 14,30 من يوم 7/10/1973، ظهرت مقاومة أمام الكتيبة اليمنى في قرية جرنايا وبدأت معركة الكتيبة مع هذه المقاومة، من الخط 1,5 كم شمال شرقي جرنايا. وكان قائد اللواء مع هذه الكتيبة يراقب ويوجه أعمالها. وبعد معركة دامت زهاء /45/ دقيقة بين الكتيبة والمقاومة المعادية التي تقدر بكتيبة دبابات معززة بقواعد صواريخ م/د، استطاعت الكتيبة الوصول إلى هذا الخط بعد أن خسرت الكتيبة /10/ دبابات من مجموع 21 دبابة وألحقت بالعدو الخسائر التالية: تدمير حوالي 13 دبابة وقاعدتي صواريخ. بعدها بدأت بقية دبابات الكتيبة تنفذ قتالاً تراجعياً باتجاه الشمال والشمال الشرقي بإمرة رئيس أركان الكتيبة، لأن دبابة قائد اللواء ودبابة قائد الكتيبة دمرتا في هذه المعركة. 
ظل قائد اللواء يجهل مصير قائد هذه الكتيبة حتى اليوم الثاني من المعركة، حين تبين بأنه جريح في مستشفى إزرع. وقريباً من الساعة 16,30، تم إعادة الاتصال بقائد الفرقة الخامسة وبقي الاتصال بالكتائب الأخرى مفقوداً، وذلك لتدمير دبابة قائد اللواء الذي كان يقود وحدات اللواء من خلالها. 
وفي الساعة 7,00, من يوم 8/10/1973، أمر قائد الفرقة قائد اللواء بالتقدم بالدبابات المتبقية لديه إلى قرية ناب مكان اللواء 132. وحين وصول هذه المجموعة إلى قرية (ناب)، كانت قد وصلت وحدات هجوم العدو إلى هذا المكان. عندئذٍ نشر قائد اللواء هذه المجموعة مع /3/ دبابات من اللواء 47 بإمرة قائد الكتيبة الثالثة (التي وجدها في تلك المنطقة). ثم خاضت هذه المجموعة بالتعاون مع عدة دبابات من اللواء 132 ومدافع م/د من عيار 106 مم تابعة لاحتياط م/د الفرقة الخامسة معركة دامت زهاء /60/ دقيقة دمر للعدو فيها /4/ دبابات سنتوريون وقاعدتا صواريخ. وحتى الساعة 10,30، احتل اللواء 61 مشاة الخط: تل البازوك- تل المنطار.
واحتل اللواء 112 مشاة نقطتي استناد تل القلع والرفيد جزء من القوى وتابع التقدم بالجزء الباقي، كما احتل بقوى كتيبة الخط: الفرج - أم الدنانير. أما تل الفرس، فقد تم احتلاله بواسطة قوات حطين المنزلة بالطائرات العمودية (الهليوكبتر) في الساعة 17,00، ولذا فقد احتل اللواء بجزء من قواته سفوحه الجنوبية والشرقية، وقام بفتح مرصد في التل. 
تمكن اللواء 12 دبابات حتى الساعة 1,00 من يوم 7 تشرين الأول من تدمير جميع المقاومات التي اعترضته، وكان أبرزها هجمة معاكسة بقوى سرية دبابات معززة في منقطة صير الحوار، واحتل الخط: رسوم القطار- أم الدنانير وقضى على جميع محاولات العدو لاسترجاعه، وفي الساعة 5,30 استأنف اللواء هجومه وتعرض، على مسافة 2 كم من قرية المشتى، لضربة معاكسة قوامها حتى 50 دبابة تعززها الصواريخ وتدعمها نيران المدفعية والطيران، فاحتل خطاً مناسباً وقام بصده من الثبات،وقد نجح بتدمير 15 دبابة و4 عربات صاروخية، وأسر 11 إسرائيلياً منهم ضابط برتبة نقيب، وتمكن من أسر بعض الطيارين. وقد احتلت الكتيبة 355 من اللواء الخط: المشيرفة ـ رسم الرمليات. وفي الساعة 8,40، وصلت الكتيبة 203 إلى منطقة اليعربية، حيث اشتبكت مع ثلاث سرايا دبابات معادية. وقد تمكنت حتى الساعة 14,00 من تدمير 19 دبابة منها، ولاذت الدبابات المتبقية بالفرار. إلا أن الصواريخ الكثيفة المضادة للدبابات أحدثت إصابات مباشرة في دبابات الكتيبة، وبعد ساعتين من القتال لم يبق لدى الكتيبة سوى دبابتين وناقلة جنود. وحتى الساعة 10,00 احتلت الكتيبة 262 من اللواء 132 مشاة مستوطنة خسفين ثم تابع قائد اللواء /132/ مشاة التقدم بالوحدات الموجودة لديه واحتل حتى الساعة 16,30 الخط: ناب - كفر ألما. 
الموقف في نهاية اليوم الثاني من الحرب: (7 تشرين الأول)
حتى نهاية يوم 7 تشرين الأول، وصلت القوات إلى الخط:
الفرقة 7 مشاة: مزار أبي ذر الغفاري - 500 م شرق تل الشيخة -ضهرة ابراهيم.
الفرقة 9 مشاة: 500م شرق الخشنية- القحطانية - عين عيشة -الرمثانية- رؤوس الوديان المؤدية إلى بحيرة طبريا.
الفرقة 5 مشاة: المشيرفة- النخيلة - تل البازوك- 1,5 كم شمال خسفين - المنطار - رؤوس الوديان المؤدية إلى بحيرة طبريا.
الفرقة 1 دبابات: 1,5 كم شمال وغرب تل أبي خنزير - 1 كم شمال غرب السنديانة -الرزانية.

 

 عمليّات الأيام 8- 10 تشرين الأول «أكتوبر» 1973

 

 

لابدّ من الإقرار بأن كثيراً من الوحدات والقطعات عانت أوقاتاً حرجة وقاسية في امتحان النار. ولكن كانت لديها إرادة القتال، ولهذا فقد استطاعت أن تنجح في تدمير العدو وطائراته وأن تلحق به خسائر جسيمة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الصراع - العربي الإسرائيلي. كانت نتائج اليومين الأولين من الحرب قاسية على العدو الإسرائيلي الذي ناء بها وأوشكت قواه المعنوية على الانهيار. فقد تكبدت قواته المسلحة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وبخاصة في الدبابات والطائرات، وخيم شبح الخطر المميت فوق قوى الاحتلال، وأصبحت القيادة الإسرائيلية في وضع لا تحسد عليه، كما أصبح واضحاً أن «إسرائيل» عاجزة عن حماية نفسها فكيف تكون قادرة على حماية المصالح الأمريكية في المنطقة. كذلك رأى العالم أن القوات العربية السورية تملك إمكانات وطاقات كبيرة، كما اقتنع المجتمع الدولي بقوة المقاتلين العرب وقدرتهم على استخدام الأسلحة المتطورة. كل ذلك أثبتته المعارك الطاحنة التي دارت على مرتفعات الجولان. لقد قاتل قسم كبير من الوحدات والتشكيلات ببطولة وشجاعة نادرتين، وكانت تأتي في المرتبة الأولى مهمة تدمير احتياطات العدو المدرعة المتقدمة من العمق، وهذا ما يعد موضوع حياة أو موت بالنسبة للعدو الإسرائيلي. وقد قام بهذه المهمة بكل جدارة سلاح الطيران وسلاح المدفعية اللذين عملا بتضافر وتنسيق، صبّا على أرتال العدو المتقدم من الغرب الحمم النارية، فما تكاد قوات العدو أن تظهر أو يتم اكتشافها حتى ينقض عليها الطيران السوري، وعندما كانت أرتال العدو تصل إلى المدى المجدي للمدفعية، كانت هذه تصب عليه حممها حسب مديات الرمي، وللحقيقة التاريخية فإن سلاح المدفعية السورية قام بدور مشرف في حرب تشرين التحريرية.
القطاع الشمالي:
في الساعة 20,00، من يوم 8 تشرين الأول، قامت الفرقة السابعة مشاة، مع وسائط تعزيزها، بهجوم صامت ليلي، بدون دبابات، وهدفها ومهمتها تدمير العدو المقابل، والوصول إلى الخط: عرضانية مسعدة - المنصورة، على أن تحتل بجزء من قواتها مدينة القنيطرة يعاونها اللواء 52 مشاة.
وفي الساعة 21,00، بدأ العدو بإضاءة ساحة المعركة، وبفتح نيران المدفعية والهاون على القوات المهاجمة. وقد ردت المدفعية على مصادر النيران المعادية برمايات كثيفة. وتابعت القوات تقدمها نحو أهدافها تحت تأثير نيران المدفعية والهاونات المعادية. وعند الساعة 3,00 من يوم 9 تشرين الأول، تمكن اللواء 68 مشاة من احتلال تل الوردة الغربية، وتل الجعيفري، والسفوح الشمالية الغربية لتل الشيخة الغربية، وضهرة الأرانب، والقطرانة، واحتل واللواء 121 مشاة ضهرة شمس الدين والسطح، ووصل نسقه الثاني إلى بير سيف. أما اللواء 52 مشاة فقد تمكنت إحدى كتائبه من الدخول إلى مدينة القنيطرة واشتبكت في قتال عنيف بالعدو المدافع، وخاضت كتيبة أخرى القتال على الخط: التخوم الجنوبية الشرقية لمدينة القنيطرة - القحطانية، ووصل النسق الثاني من اللواء إلى أرض عين الكرش.
وابتداءً من فجر يوم 9 تشرين الأول، قام العدو بتركيز نيران المدفعية والهاون والدبابات على قوات الفرقة، بالإضافة إلى القصف الجوي. وفي الساعة 4,00 تلقت الفرقة مهمة تطوير الهجوم الليلي مع أول ضوء يوم 9 تشرين الأول على محور القنيطرة - جسر بنات يعقوب، بقوة اللواء 81 دبابات وتشكيلات الفرقة، ومهمتها تدمير القوات المعادية المقابلة والوصول إلى الخط: القلع - واسط - الدليوة - تل أبي خنزير، ثم متابعة الهجوم باتجاه الحدود الدولية. وفي الساعة 8,45 من يوم 9 تشرين الأول عبر اللواء 81 دبابات الخندق المضاد للدبابات، ووصل إلى خط الزج في الساعة 9,00 وفي الساعة 10,35 شوهدت أرتال معادية تتقدم من الاتجاهات التالية:
• رتل يقدر بكتيبة دبابات من اتجاه بقعاتا-ضهرة الأرانب.
• رتل يقدر بكتيبتي دبابات من اتجاه واسط - تل البرم.
• رتل يقدر بكتيبة دبابات من اتجاه المويسه- المنصورة - تل محمد المخفي.
وانتشرت على الخط: السفوح الجنوبية لضهرة الأرانب -ضهرة خليف - السفوح الشرقية لتل البرم - تل محمد المخفي. وبدأت الدبابات المعادية بفتح نيران غزيرة على وحدات اللواء التي كانت تصد هجوم العدو المعاكس. خاضت القوات السورية معارك ضارية، في مواجهة العدو الذي كان ضغطه ما يفتأ يزداد، وكان الاصطدام شديداً وعنيفاً. وشرع الإسرائيليون يقذفون، دونما انقطاع، بقوى جديدة، بالإضافة إلى التركيز الجوي على الجبهة السورية. ووقعت قواتنا تحت تأثير النيران والصواريخ المضادة للدبابات. ولم يكن من السهل التقدم بسبب القذائف المنهمرة. وبعد ذلك بوقت قصير، بدأت مدفعيتنا بقصف مركز على العدو، واختفت ساحة المعركة تحت سحابة من النيران والدخان.
اضطر اللواء 81 دبابات تحت ضغط العدو، الذي كان مستمراً في زج قوى جديدة، إلى الانسحاب، كما انسحبت قطعات الفرقة إلى مواقعها الدفاعية على حدود خط وقف إطلاق النار.
وقريباً من الساعة 6,00 من يوم 10 تشرين الأول، بدأ العدو بقصف المواقع الدفاعية السوريةبالمدفعية، مركزاً قصفه على منطقة خان أرنبة ومنطقة تل الضهور، فردت مدفعية الفرقة السابعة على مرابض المدفعية المعادية وأسكتتها. وعند الساعة 10,00، استأنف العدو رماياته على المنطقتين المذكورتين ذاتهما، بمعدلات كثيفة واستمر على ذلك حتى آخر ضوء من النهار، وقامت مدفعية الفرقة بالرد على مصادر النيران المعادية المكتشفة، كما قامت بالرمي على مجموعة من العسكريين في رويسة الحمراء، تقوم بالاستطلاع، ويعتقد أنهم ضباط. وقام الطيران المعادي بعدة طلعات وقصف مرصد جبل الشيخ المحرر والمرتفع 1480 وتل الضهور ومناطق مرابض المدفعية. وقد اشتبكت وسائط دفاعنا الجوي به وأسقطت له عدة طائرات. 

 

 

في الساعة 8,40 يوم 10 تشرين الأول، قام الطيران المعادي بقصف مواقع القوات المغربية، مركزاً قصفه على موقع الكشة والمرتفع 1480 وضهرة الحدب. وفي الساعة 11,15، تقدم رتل مدرع معاد يقدر بكتيبة دبابات من اتجاه مسعدة ـ سحيتا وفتحت مدفعية القوات المغربية النيران عليه. وعند الساعة 11,40 انتشرت سرية دبابات وسرية مشاة ميكانيكية أمام سحيتا وبدأت بفتح النيران على القوات المغربية، التي ردت على النيران بالمثل، وأوقفت القوات المعادية على هذا الخط. وقريباً من الساعة 13,10، دفع العدو مجموعة من دباباته إلى مشارف جباتا الخشب، مما هدد الجانب الأيسر للقوات المغربية، كما تعرضت وحدات المشاة المغربية، المتمركزة في المرتفع 1480 وضهرة الحدب والتلال غير المسماة ومنطقة مرج الجاموس، لقصف جوي ومدفعي شديدين. وقد اشتبكت القوات المغربية بالقوات المعادية، ثم انسحبت إلى مزرعة بيت جن. 
القطاع الأوسط:
تلقى قائد الفرقة التاسعة المشاة التعليمات بإلحاق اللواء 52 مشاة بالفرقة السابعة المشاة من أجل احتلال مدينة القنيطرة بالتعاون مع اللواء 121 مشاة. وقد تمكن اللواء 33 مشاة من صد عدة هجمات مدرعة معادية، وتمسك من الساعة 15,00 من يوم 7 تشرين الأول وحتى الساعة 10,00 يوم 10 تشرين الأول بالخط المحتل: عين عيشة - تل يوسف -الرمثانية. وفي الساعة 8,30 من يوم 10 تشرين الأول، هوجم اللواء 33 بمجموعات من الأرتال المدرعة من اتجاهات مختلفة اشتبك معها في قتال عنيف. وقد تمكنت بعض الدبابات المعادية من اقتحام إحدى سرايا مدفعية هذا اللواء بعد أن تصدت لها السرية بالرمي المباشر ودمرت عدة دبابات معادية. وحيال ضغط العدو الشديد الذي كان يزج بقوى جديدة باستمرار، انتقل اللواء 33 إلى الدفاع شرقي الخط المحتل للتمسك بالمنطقة: عين عيشة - تل أبي قطيف - الجويزة، وليكون الجار الأيمن للفرقة الأولى دبابات. وفي الساعة 15, من يوم 10 تشرين الأول، تقدم العدو برتلي دبابات من الشمال والغرب، بالإضافة إلى رمايات معادية من تل السماقات على وحدات اللواء 33 مما اضطر هذا اللواء إلى التراجع لاحتلال الدفاع إلى شرقي خط وقف اطلاق النار، بعد أن قام احتياط الفرقة المضاد للدبابات بتدمير قسم من الدبابات المعادية. ولقد تمكن اللواء 33 من تدمير 3 طائرات معادية بالصواريخ الفردية المضادة للطائرات خلال الفترة من 6 - 10 تشرين الأول. 
هاجمت كتيبة من قوات حطين في يومي 7 - 8 تشرين الأول تل الذهب، ولم تتمكن من احتلاله نظراً لمقاومة العدو في المنعات المجهزة بأسلحة مختلفة. وفي يوم 9 تشرين الأول، استأنفت هذه الكتيبة القتال ضد العدو في تل الذهب وأمام ضغط العدو انتقلت إلى الدفاع شرقي خط وقف إطلاق النار في الساعة 15,00 من يوم 10 تشرين الأول. في صباح 8 تشرين الأول، انضمت إلى بقايا دبابات اللوائين 43 و 51 المدرعين (16 دبابة) من اللواء 12 دبابات. وفي الساعة 12,00، انتشر احتياط الفرقة المضادة للدبابات على الخط: تل الطلائع خارجاً - الفحام، لحماية مجنبة اللوائين من هجمات العدو الشديدة والمتكررة. وقد تمكن هذا الاحتياط من تدمير 20 دبابة معادية وظل يصد هجمات العدو حتى دمر من جرّاء القصف الجوي والمدفعي المعاديين الشديدين. وفي الساعة 13,00 من يوم 9 تشرين الأول حاول العدو الالتفاف على الدبابات المتبقية من الألوية 51 و43 و12 د، من اتجاه السفوح الشمالية لتل الفرس، ومن الغرب والشمال الشرقي، بقوى كتيبة دبابات وعدد من القواعد الصاروخية المضادة للدبابات. وقد حاولت مدفعية الميدان وبعض السرايا المضادة للطائرات منع مناورة العدو وتدميره. 
غير أن العدد المتبقي من دبابات هذه الألوية لم يكن يتجاوز 15 دبابة، بعد الاشتباك العنيف مع العدو، الذي كان ما يفتأ يشن الهجمات باستمرار. وازدادت حدة هجوم العدو وضغطه الشديد بالطيران والدبابات والمدفعية، وبذلت دبابات هذه الألوية كل جهودها في المحافظة على الخط: السفوح الغربية لتل شعاف السنديان - العرائس، إلا أن استمرار الهجوم المعادي بشتى الأسلحة لم يُبق منها سوى 3 دبابات فاضطر قادتها للانتقال إلى السويسة في الساعة 11,00 من يوم 10 تشرين الأول. 
الفرقة الأولى دبابات: 
بعد أن تكبد العدو خسائر فادحة خلال يوم 7 تشرين الأول، انسحب إلى الشمال الغربي من كفر نفاخ، وإلى حرش عين زيوان، لإعادة تجميع قواته. كما تقدمت طلائع لواء مدرع من جسر بنات يعقوب على محور العليقة - كفر نفاخ، ومحمور سنابر- عين سمسم. وابتداءً من صباح يوم 8 تشرين الأول انتقل العدو للهجوم المعاكس بقوى لوائين مدرعين وكتيبة دبابات من بقايا اللواء السابق، من اتجاه عين سمسم - جنوب القادرية، واتجاه العليقة السنديانة، واتجاه المغير- شمال كفر نفاخ، ومن السفوح الشمالية الغربية لتل أبي خنزير، بعد أن قام بتمهيد مدفعي، وقصف جوي على قوات الفرقة. 
لم تستطع طائرات العدو ودباباته ومجنزراته تحطيم صمود الفرقة، التي اشتبكت في معارك تصادمية مع القوات المدرعة الإسرائيلية الراغبة بإيقاف تقدم قواتنا. وأخفق هجوم العدو الأول من جراء تدمير عدد كبير من دباباته إلا أنه عاد إلى الهجوم، دافعاً بقوات جديدة من النسق الثاني. وقد تمكن في الساعة 13,00 من يوم 8 تشرين الأول من الوصول إلى التخوم الغربية لقرية السنديانة، والتخوم الغربية لقرية الرزانية. وبعد معارك تصادمية ضارية بين دبابات الفرقة الأولى ودبابات العدو، في ظل تفوق جوي محلي وصل العدو في نهاية اليوم إلى الخط: الدلهمية - السنديانة -الرزانية. وقد أسقط له خلال قصفه الجوي 3 طائرات، وتم أسر أحد الطيارين، وسقط آخر في الأرض المحتلة، ودمرت الطائرة الثالثة. 
وبعد أن خسرت الفرقة ما يقارب 50% من عتادها المدرع، انتقلت في صباح يوم 9 تشرين الأول للدفاع عن الخط: عين عيشة -الرمثانية- السلوقية بما تبقى من قوى الفرقة. وفي الساعة 7,30 من يوم 9 تشرين الأول انتقلت الفرقة بقوى اللوائين 91 و76 إلى الهجوم، بمهمة احتلال كفر نفاخ بالتعاون مع القوات التي سيتم إنزالها في المنطقة. وقد تمكنت الفرقة من الوصول إلى الخط: تخوم عين وردة الشمالية والشرقية - 2 كم غربي الخشنية. وظلت الفرقة متمسكة بهذا الخط حتى الساعة 12,00، حين زج العدو بقوى جديدة في المعركة. وتحت ضغط العدو، تراجعت وحدات الفرقة إلى الخط: التخوم الغربية للخشنية، وتمسكت به حتى الساعة 17,00. 
تعرضت وحدات الفرقة طوال يوم 9 تشرين الأول لرمايات مركزة من الطيران والمدفعية والقواعد الصاروخية. وقد ازدادت كثافة الرمايات ابتداءً من الساعة 14,00 واستمرت حتى الساعة 17,00، حيث قام العدو بالهجوم مرة أخرى بقوة تقدر بأكثر من لواء مدرع. ومع اقتراب الساعة 10,00 من يوم 10 تشرين الأول، شن العدو الهجوم، بعد تمهيد قوي بالمدفعية والطيران، بقوى كتيبة دبابات من اتجاه: رسم خزعل -ضهرة الشعاف، وكتيبة دبابات من اتجاه: تل فزاره - تل شعاف السنديان - تل عكاشة، وكتيبة دبابات من الخشنية باتجاه تل فزارة والجويزة. وفي نهاية اليوم تمكن العدو من احتلال خط وقف إطلاق النار السابق في نطاق قتال الفرقة. وقد حاولت الفرقة التمسك بما تبقى لديها من قوى وسائط (زهاء 20 دبابة وبقايا من مشاة اللواء 58 ميكانيكي)، بالخط 1,5 كم جنوبي الجويزة - سفوح تل شعاف السنديان الغربية. وبعد قتال عنيف مع القوات المعادية، تمكنت من إيقافها بعد أن دمرت لها 19 دبابة. وقريباً من الساعة 13,30، اضطرت الفرقة، تحت ضغط العدو، للانتقال إلى الدفاع عن منطقة كودنة حتى توقف إطلاق النار. 

 

القطاع الجنوبي:
ابتداءً من الساعة 7,00 صباح 8 تشرين الأول شن العدو هجوماً معاكساً باتجاهين، بقوى لواء دبابات على كل اتجاه، الأول باتجاه: العال - خسفين، والثاني باتجاه: أم القبور- تل المنطار - تل البازوك، وقد اشتبكت معه قوات الفرقة الخامسة المشاة في معارك ضارية بالمدفعية والاحتياطات المضادة للدبابات والدبابات، وأرغمته على الانسحاب إلى الخلف أكثر من أربع مرات. وقد اشترك اللواء 47 دبابات في هذه المعارك بقوام 15 دبابة في منطقة خسفين وأبي خيط. وفي نهاية يوم 8 تشرين الأول، استطاع العدو أن يصل إلى خط وقف إطلاق النار السابق، وعادت تشكيلات الفرقة ووحداتها إلى مواقعها الدفاعية. 
ومنذ صباح 9 تشرين الأول، بدأ العدو قصفاً مركزاً بالمدفعية والهاون على نقاط الحراسة القتالية التالية: أم اللوقس-اللويبد- الطلائع - صيدا - الحانوت، ثم دفع بعض الدبابات إلى الأمام، حيث احتلت خطوط رمي، وبدأت تركز نيرانها على النقاط المذكورة. وتحت هذا الستار الناري من المدفعية والدبابات دفع العدو ما يقارب كتيبة دبابات موزعة على رتلين باتجاه نقاط الطلائع واللوبيد وصيدا. إلا أن مدفعية الفرقة ركزت رماياتها على أرتال العدو، فاضطر إلى الانتشار ومحاولة التسرب بالمناورة وقد فاجأت الألغام والكمائن دبابات العدو، ودمرت منها أكثر من عشر دبابات. وعندما أخفق العدو في خرق النقاط المذكورة، قام بمحاولة أخرى باتجاه أم اللوقس، ولكن حظه كان أسوأ، إذ اضطر بتأثير المقاومة الكبيرة التي أبدتها هذه النقطة إلى الانسحاب، تاركاً خلفه عدداً من الدبابات المدمرة. 
وابتداءً من صباح 10 تشرين الأول، تقدمت كتيبة دبابات معادية تحت ستار نيران المدفعية والقواعد الصاروخية باتجاه صيدا والحانوت في محاولة جديدة لاحتلالهما. وقد تصدت لها جميع الوسائط المضادة للدبابات، بالإضافة إلى رمايات المدفعية المركزة، وأجبرتها على الانسحاب، مخلفة وراءها عدداً كبيراً من الدبابات والناقلات المجنزرة. وقد قامت قوات الفرقة في المساء بسحب هذه الدبابات والناقلات المجنزرة من أمام نقاط الحراسة القتالية. 
الفرقة الثالثة دبابات:
في يوم 9 تشرين الأول ألحق اللواء 21 ميكانيكي بفرقة المشاة الخامسة، واللواء 81 دبابات بفرقة المشاة السابعة. وعند الساعة 5,15 أُسندت للواء 81 دبابات مهمة تدمير العدو في منطقة تل محمد المخفي والاستيلاء على الخط: الدليوه- تل أبي خنزير، ثم تطوير الهجوم باتجاه: كفر نفاخ - جسر بنات يعقوب. وقد تمكنت معظم وحدات اللواء 81 دبابات من عبور الخندق المعادي المضاد للدبابات، ولكن لم تنجح إلا بعض الدبابات في الوصول إلى طريق المنصورة - مسعدة، وقد دمرت عند وصولها، فانسحب اللواء بعد إعادة تجميعه، بإمرة رئيس أركانه إلى تل الشمس، حيث التحق به قائد اللواء في الساعة 22,00، وتلقى مهمة الدفاع عن التل المذكور بما تبقى من اللواء. أما اللواء 21 ميكانيكي، فقد زج كتيبة ميكانيكية وسرية دبابات في المعركة لصد الهجوم المعاكس المعادي على تل الفرس. وبعد الاشتباك في القتال مع العدو، وتحقيق المهمة، تلقى قائد اللواء أمراً بالتمركز في منطقة نوى (احتياط قيادة عامة). 
وفي يوم 10 تشرين الأول، التحقت كتيبة من اللواء 90 مشاة بالفرقة الأولى دبابات للدفاع عن تل الأحمر الغربي وتل الأحمر الشرقي، ثم كلف اللواء كله بهذه المهمة. وكلف اللواء 65 دبابات باحتلال الدفاع في مواجهة حرفا - بيت جن، وانتقاء خط رمي من الثبات لتدمير العدو حول الحرش. أما اللواء 21 ميكانيكي فقد تلقى مهمة الدفاع باعتباره نسقاً ثانياً للفرقة الخامسة المشاة. 
الموقف في نهاية 10 تشرين الأول:
خلال أيام 8 - 10 تشرين الأول، كانت قواتنا تخوض المعارك الضارية ضد العدو الذي كان ضغطه ما يفتأ يزداد. وبالإضافة إلى القوة المدرعة التي كانت تعمل بالفعل في ميدان القتال، فقد أخذ العدو يزج في المعارك بقوى جديدة مدرعة وميكانيكية. وحتى نهاية يوم 9 تشرين الأول كان موقف الفرق كما يلي: 
• الفرقة 7 مشاة: تراجعت تشكيلاتها كافة إلى الضفة الشرقية للخندق المعادي، المضاد للدبابات. 
• الفرقة 9 مشاة: عادت إلى الخط: اللواء 52 مشاة في أم باطنة، واللواء 33 في عين عيشة، وبقايا اللوائين43 و51 المدرعين، في منطقة الخشنية. 
• الفرقة الأولى دبابات بقيت متمسكة بالخط: عين عيشة - عين وردة - 2 كم شرق السلوقية. 
• الفرقة 5 مشاة: بقيت محتفظة بمنطقة الرفيد. أما التشكيلات الأخرى فقد عادت إلى خط وقف إطلاق النار. وفي آخر ضوء من نهار 9 تشرين الأول تم سقوط تل الفرس بيد العدو. 
وخلال يوم 10 تشرين الأول، اقتصرت العمليات الحربية على متابعة القتال، والتمسك بالخطوط المحتلة، ومنع العدو من احتلال التلال القريبة، مثل تلول شعاف السنديان والرفيد. كما لوحظ تركيز العدو جهده الجوي على مناطق تحشد تشكيلات الفرقة 7 مشاة ومرابض المدفعية ومقرات القيادة، تمهيداً لمهاجمتها صباح اليوم التالي.

 

 مرحلة الهجوم المعاكس الإسرائيلي 

 

 

لقد استطاعت حرب تشرين التحريرية أن تثبت وجود الإنسان العربي، وقدرته على القتال وتحرير الأرض. وكان هدف العدو الإسرائيلي من الخرق هدفاً سياسياً أكثر مما كان عسكرياً. وذلك ليغطي خسائره الكبيرة في الأرواح والعتاد، وليعلن عن وجوده الرمزي شرقي خط وقف إطلاق النار السابق في الوقت الذي يعلم أن الجهود السياسية الدولية تبذل من أجل وقف الصراع المسلح في منطقة الشرق الأوسط. 
عمد العدو إلى الخرق باتجاه تل الشمس على محور القنيطرة - دمشق، إلا أن القوات السورية أجبرته على التوقف في جيب ناري وأرض قتل، مهددة إياه بالقوى البشرية ونيران الأسلحة المختلفة، من معظم الجهات. لم تستطع طائرات العدو ودباباته ومجنزراته أن تحطم إرادة القوات السورية وصمودها. كما لم ينجح الإسرائيليون في قهرها كما كانوا يأملون.. وكان كل ما استطاعوا إليه سبيلاً هو أن يحدثوا خرقاً بسيطاً متكبدين خسائر كبيرة في الوسائط المادية والأرواح.
كان هدف القيادة العامة السورية من توحيد جهود أنواع وصنوف القوات المسلحة ومن تنسيق أعمالها، أن توقع بالعدو أكبر الخسائر الممكنة. ولقد نجحت في ذلك طوال معارك الأيام الأولى من الحرب 6 - 10 تشرين الأول. وأثبتت القوات السورية شجاعتها في ساعات الخطر، وتم تنفيذ كل التدابير اللازمة لتطويق القوات المعادية ضمن جيب لا يتعدى 10 - 15 كم طولاً وعرضاً. كما وجهت هذه القيادة بعض القوات إلى الاتجاهات الأكثر أهمية وذلك على جناح السرعة. 
لم يحقق الخرق الإسرائيلي على الجبهة السورية أي تقدم يتناسب مع حجم القوات الجوية والبرية المعادية المستخدمة. وعلى الرغم من أن الطيران الإسرائيلي وضع كل ثقله لتحقيق السيطرة الجوية في الجبهة السورية، وزج قواته الاحتياطية المدرعة جميعها، فإنه لم يحقق أكثر من تقدم تكتيكي بسيط، هو عبارة عن مرحلة من مراحل الحرب. 
سير العمليات:
منذ أول ضوء من يوم 11 تشرين الأول، تابع العدو قصفه الجوي على تشكيلات الفرقة 7 مشاة، وتشكيلات الفرقة 9 مشاة، لاسيما في منطقة التلول الحمر. وبعد ذلك تقدمت بعض القطعات المعادية باتجاه قطاعي فرقتي المشاة، السابعة والتاسعة، مخترقة خط وقف إطلاق النار. وقد تمكنت من اختراق الحد الأمامي في قطاع الفرقة7، إذ ركز العدو جهوده الرئيسية في هذا القطاع. وفي نهاية هذا اليوم وصل العدو إلى الخط: طرنجة - خان أرنبة - مفرق ماعص - تل أيوبية. وخلال الليل دفعت القيادة العامة للقوات المسلحة السورية مجموعات من القوات الخاصة ووحدات جيش التحرير الفلسطيني للإغارة ونصب الكمائن للعدو وتدميره وإنهاكه في أثناء الليل. 
وفي صباح 12 تشرين الأول ابتدأت عمليات العدو بقصف جوي ومدفعي شديدين على المرتفعات: تل الشمس، تل الهوى، تل برقاله، تل قرين، تل المال، تل مسحرة، تل عنتر، تل العلاقية. بذلت القوات الإسرائيلية جهداً كبيراً لمتابعة تقدمها على محور القنيطرة - سعسع - دمشق، وعلى محور طرنجة- مزرعة بيت جن. ولتوسع الخرق باتجاه: ماعص -حمريت- كفر ناسج، وباتجاه تل مسحرة. 
وفي الساعة 14,00 من هذا اليوم، شنت قوات صلاح الدين العراقية هجوماً معاكساً بقوى اللواء الثاني عشر المدرع. الذي تحرك من منطقة تحشده بوتيرة جيدة تسيطر عليه روح معنوية عالية زاد في تأجيجها حماسة أهل القرى التي كان يجتازها. وفي زهاء الساعة 17,30، اصطدمت مقدمة اللواء بقوى معادية كانت تتقدم باتجاه كفر ناسج - تل عنتر وقد استطاعت دحر العدو ورده على أعقابه، ثم بدأت مطاردة فلوله باتجاه تل حمد - كفر ناسج - تل الجبل - تل أيوبية - السفوح الشرقية لتل الشعار. 
وعند أول ضوء من يوم 13/10، استطاع العدو تجميع قوة مدرعة غرب تل الشعار وتعزيزها بقوة أخرى جديدة. وبعد تمهيد بالمدفعية والطيران، شن هجوماً معاكساً على اتجاهين: شمال تل الشعار وجنوبه. وقد جرت معركة ضارية استطاعت فيها قواتنا تكبيد العدو خسائر كبيرة بالدبابات. ولكنه تمكن من الضغط عليه فتراجعت إلى نقطة كفر ناسج بعد أن تصدت له بكل عناد لتحول دون تقدمه باتجاه تل عنتر. وفي نهاية اليوم، كانت الوحدات المعادية تقاتل على مشارف مزرعة بيت جن، وعلى السفوح الجنوبية الغربية لتل الشمس وفي منطقة حمريت - كفر ناسج -الطيمة- تل البزاق - جبا. 
وخلال يوم 13/10، ركز العدو مجموعة من الدبابات في سفوح تل عنتر وأخذت ترمي قواتنا. وكانت رماياتها مؤثرة، فأصدر قائد اللواء تعليماته بالرد عليها بنيران الدبابات. وبعد فترة من الوقت، تم تدميرها جميعاً ما عدا دبابتين ظلتا ترميان رمايات مزعجة فأصدر قائد اللواء تعليماته إلى قائد الكتيبة اليسارية أن يعمل على إسكاتهما وتم ذلك. 
وفي الساعة 1,45 من يوم 14 تشرين الأول، أعلم مرصد تل الشمس أن العدو يهاجم التل. واستمر القتال في التل المذكور حتى الساعة 7,00، حين سقط هذا التل بيد العدو. كما دار قتال عنيف في مزرعة بيت جن، وفي نهاية اليوم تمكن العدو من احتلالها، وتابع تقديم احتياطاته، ودفع وحداته باتجاه: سعسع - كناكر، إلا أنها لم تحرز نجاحاً في هذا الاتجاه، وتراجعت في المساء إلى مناطق تحشدها في تل الشمس ودورين ودير ماكر ومسحره، وفي مساء هذا اليوم اتخذت القيادة العامة قراراً باستعادة تل الشمس ومزرعة بيت جن من يد العدو. واستمرت الأعمال القتالية بين القوات السورية وبين العدو طوال ليلة 14- 15 تشرين الأول، ولكنها لم تؤد إلى نتيجة حاسمة. 
وأبدى المقاتلون السوريون بطولات خارقة في معركة دير العدس، ومعارك القطاع الشمالي من الجبهة، وفي معركة تل الشمس ومعركة بيت جن ومزرعة بيت جن، وقتال احتياط م/د الجيش.

 

 مرحلة التوازن الاستراتيجي للجبهتين السورية والإسرائيلية(15-24/10/1973)

 

 

لقد انتهى زخم الهجوم المعاكس الإسرائيلي على الجبهة السورية ابتداءً من صباح 15/10/1973 وأيقنت القيادة العسكرية الإسرائيلية أن التقدم إلى دمشق يعني تدمير الجيش الإسرائيلي، وإن الاستمرار بالعناد والمكابرة سيؤدي إلى مذبحة حقيقية للقوات المسلحة الإسرائيلية، فلقد تكبد العدو 46 دبابة وناقلة مدرعة على اتجاه دير العدس غباغب، كما تكبد 37 دبابة وعربة مدرعة على اتجاه القنيطرة - سعسع ، 65 دبابة ومجنزرة على محور حضر – مزرعة بيت جن.
اقتصرت العمليات يوم 15 تشرين الأول على التمسك بالمواضع، وبذلت أقصى الجهود من قبل قواتنا لاسترداد التلال المشرفة والنقاط الهامة ولكن بدون جدوى، بسبب مقاومة العدو وتعزيزها بقوى جديدة. وخلال ليلة 14-15 تشرين الأول، اتخذ القرار بهجوم معاكس، بقوات صلاح الدين العراقية واللواء40د الأردني، واستمرت التحضيرات لتنفيذ الخطة المقررة، حيث نفذ يوم 16 تشرين الأول الهجوم المعاكس بقوات صلاح الدين واللواء 40 الأردني، إلا أنَّ هذا الهجوم لم يحرز نجاحاً بسبب الرمايات التي تعرض لها، وتمسك القوات المعادية بالتلال المشرفة والمسيطرة على المنطقة. وفي المساء اضطرت قوات صلاح الدين للتراجع، فلاحقها العدو، وتمكن من الوصول إلى عين عفا، غير أن القوات السورية استطاعت استردادها وأجبرت العدو على التراجع عنها، كذلك استمرت فرقة الدبابات الثالثة بمهاجمة تل الشمس طيلة هذا اليوم، غير أنها لم تتمكن من استرداده، كما قامت قوات الفرقة المشاة الخامسة ببعض الإغارات على الرفيد وتل السقي والجوخدار، ودمرت هذه المواقع، وعادت بدون أن تتكبد أي خسائر.
اقتصرت العمليات خلال يوم 17 تشرين الأول على تكليف فرقة الدبابات الثالثة وفرقة المشاة السابعة وقوات صلاح الدين بالقيام بإغارات على تل شمس وتل عريد وتل مرعي وتل عنتر وتل العلاقية واحتلالها. إلا أن هذه الإغارات لم تؤد إلى نتيجة بسبب تمسك العدو الشديد بهذه النقاط وتعزيزها ودعمها برمايات المدفعية وقصف الطيران، وبقيت القوات المعادية متمسكة بالخط المحتل ومحافظة عليه. واستمر التراشق بنيران المدفعية ونشاط الطيران، كما ازدادت الأعمال النشطة في القطاع الجنوبي، ونفذت بعض الإغارات والكمائن على نقطة الرفيدالجوخدار وتل السقي.
قام العدو يوم 18 تشرين الأول بإغارة على أماكن انتشار احتياط الجيش المضاد للدبابات في السفوح الجنوبية لتل الشيح، إلا أن هذه الإغارة أخفقت في تحقيق غرضها،وأمكن العثور على بعض الأسلحة الفردية التي كانت تحملها عناصر هذه الإغارة، كما قامت قوات صلاح الدين بالإغارة على تل عنتر،وقد تمكنت من تدمير 12 دبابة معادية وعادت بدون أن تتمسك بالتل.
ابتدأت عمليات العدو منذ صباح 19 تشرين الأول بمهاجمة أم باطنة، وقد تمكن من احتلالها في الساعة 1,30، بعد قتال مرير خاضته إحدى كتائب لواء المشاة 52، التي كانت تحتل موقعاً دفاعياً.وقد اضطرت هذه الكتيبة للتراجع بسبب كثافة القوات المعادية، وقوة الضغط المتزايدة عليها، إلى منطقة ممتنة، بعد أن جرح قائدها، وعلى ضوء هذا الموقف طلب من اللواء 40 الأردني أن يقوم بهجوم مضاد لاستعادة أم باطنة بالتعاون مع وحدات من اللواء 52 مشاة. فتأخر اللواء الأردني في تنفيذ الهجوم المضاد، ولم يحرز نجاحاً كبيراً بسبب رمايات المدفعية والطيران المعادية الكثيفة، وحدوث خسائر كبيرة بين صفوفه، ولكن على الرغم من هذا، تمكن من إيقاف تقدم العدو باتجاه نبع الصخر، واضطره للتراجع إلى أم باطنة والتمسك بها. وفي الساعة 6,00 تمكنت قوات صلاح الدين العراقية من القيام بإغارة صامتة على تل عنتر واحتلاله، وفي الساعة 7,30 تابعت هجومها واحتلت تل العلاقية، وظلت متمسكة بهذين التلين حتى الساعة 15,30 حيث اضطرت للتراجع بسبب زيادة ضغط العدو، وكثافة رمايات المدفعية والطيران وحدوث خسائر في الأرواح والعتاد.
اقتصرت العمليات يوم 20 تشرين الأول على التراشق بالمدفعية والطيران وقد قام الطيران الصديق في الساعة 5,15 بقصف أحد المصانع في حيفا، وأحدث فيه خسائر كبيرة،كما نشطت أعمال الإغارة والكمائن في منطقة تل مرعي وعين عفا والهبارية.
وفي يوم 21 تشرين الأول استمر التراشق بالمدفعية والطيران ، ونفذت الأعمال النشطة مثل مهاجمة تل مرعي، وقد دار قتال عنيف مع الوحدات المعادية، إنما بدون جدوى، إذ اضطرت وحداتنا للانسحاب بسبب زيادة ضغط العدو، وفي الساعة 15,30 قام العدو بقصف مرصد جبل الشيخ، وأنزل قوات حملتها 10 طائرات عمودية (هيلوكبتر)، وجرى اشتباك عنيف بين قواتنا وقوات العدو، ثم تابع العدو تعزيز وحداته سواءً عن طريق الجو أو عن طريق البر، كما قصف المرصد بالمدفعية والهاونات بالإضافة إلى القصف الجوي المركز، وبعد معارك ضارية استمرت زهاء 17 ساعة، تمكن العدو من احتلال المرصد في الساعة 8.30 من صباح 22/10أكتوبر 1973.
وأبدت القوات الخاصة بطولات فذة في المعركة الدفاعية التي خاضتها في جبل الشيخ، وجهد العدو يوم 22 تشرين الأول في دفع بعض وحداته لاحتلال مغر المير وحينه، ولكن بدون جدوى، وبينما كانت قواتنا تخوض معارك طاحنة في جبل الشيخ كانت القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة تضع اللمسات الأخيرة على خطة الهجوم العام المعاكس السوري.

 

 الاستعداد للهجوم المعاكس السوري

 

 

لقد أعطت حرب تشرين التحريرية دروسا قيمة للعلم العسكري ولفن الحرب،وستكون معارك هذه الحرب مادة هامة تدرس في الأكاديميات العسكرية ومراكز الدراسات الاستراتيجية، من هذه الدروس الهامة تبرز أهمية التأمين المادي للحرب بكل أبعادها، إذ تصبح معركة الإمدادات بعد الأيام الأولى للحرب هي الجانب الهام من الصراع المسلح الدائر بين الطرفين، لاسيما في الدول التي لا تملك صناعة حربية متقدمة، وهذا ما حصل في حرب تشرين مع العدو الإسرائيلي.
إن التطور التقني لوسائط الصراع المسلح جعل نسبة الإصابة كبيرة، لاسيما في إصابة الأهداف الهامة كالطائرات والطائرات العمودية والدبابات والعربات المدرعة والسفن والزوارق، ولذلك فإن نسبة فقدان العتاد، لاسيما الدبابات، فاقت كل النسب المحتملة والمتوقعة، المستقاة (من خبرات الحرب العالمية الثانية ومن تجارب الحروب الثورية في الصين وكوريا وفيتنام وكذلك من خبرات الحروب الهندية والباكستانية). لذلك بدأ الاتحاد السوفييتي بتزويد سورية ومصر بأنواع من الأعتدة الحربية المفقودة، لاسيما (طائرات -دبابات) وبدأت الولايات المتحدة بتزويد إسرائيل بأنواع من الأعتدة المفقودة، لاسيما(طائرات -دبابات -قواعد صاروخية م/د). وكانت شحنات الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل تأتي عن طريق الجو إلى مطار اللد،وعن طريق البحر إلى ميناء حيفا بالنسبة للأسلحة التي تعزز بها إسرائيل الجبهة الشمالية،وعن طريق ميناء العريش بالنسبة للأسلحة التي تعزز بها إسرائيل الجبهة الجنوبية.
أما الاتحاد السوفييتي فكان الجسر الجوي ينقل العتاد الحربي إلى مطار حلب، ومطار القاهرة في مصر، كما كانت السفن الروسية تفرغ شحناتها في مرفأ اللاذقية في سورية ومرفأ الإسكندرية في مصر، ولهذا السبب كانت الدبابات القادمة من روسيا تتأخر تأخراً نسبياً عن الدبابات القادمة من أمريكا،لأن المسافة بين اللاذقية والجبهة تقدر بأربعمائة كم، وكذلك الأمر بالنسبة للجبهة المصرية،فالمسافة بين قناة السوس والإسكندرية تقدر بأربعمائة كم أيضاً، أما الدبابات الأمريكية فكان وصولها أسرع، لأن المسافة بين حيفا ومرتفعات الجولان 60كم، والمسافة بين العريش وقناة السويس 60كم أيضاً ومع ذلك فقد خاض الشعب السوري وقواته المسلحة معركة الإمداد بكل بسالة وتصميم رافعين شعار ((يجب أن يصل السلاح إلى أيدي المقاتلين مهما بلغت التضحيات)).
وقد حاولت إسرائيل في بادئ الأمر عرقلة الإمداد الجوي إلى سورية عن طريق قصف مطار حلب والتصدي للطائرات السوفييتية، فقد قصف مطار حلب بزوج طائرات فانتوم في الساعة 17,00 من يوم 8/10/1973 وأصيبت طائرة (انطونوف12) روسية كانت تفرغ شحنتها في المطار، كما جرح أحد الملاحيين السوفييت. عند ذاك تم التنسيق بين الجانب السوري والجانب السوفيتي على أن يتولى السوفييت حماية طائراتهم حتى دخولها الأجواء السورية،وكانت الحراسة والتغطية تتم بطائرات مقاتلة من طراز ميغ25، وعندما تصل طائرات النقل السوفييتية الأجواء السورية، كان سلاح الطيران السوري يتولى حمايتها وتغطيتها بطائرات مقاتلة من طراز ميغ21(م)، وبعد تنفيذ هذا الإجراء لم يحدث أي شيء يذكر من شأنه عرقلة الجسر الجوي السوفييتي إلى سورية.
أما في البحر، فلم تحاول إسرائيل مقابلة السفن الروسية لأنها تعلم أنها ستدفع الثمن غالياً،لذلك قامت بضرب ميناء اللاذقية وطرطوس عدة مرات، وكانت الغارات متزامنة مع وصول الإمدادات السوفييتية، وإضافة إلى ذلك فقد قامت إسرائيل بضرب كل الجسور والمعابر الواقعة على طريق اللاذقية -طرطوس-حمص.
كانت أطقم الدبابات التي جمعت من الجبهة تزدلف إلى اللاذقية بكل وسائل النقل البري والجوي وعلى جميع المحاور،وكان عمال المرفأ الشجعان مع أطقم الدبابات يتسلقون السفن الروسية كالفهود ويبدؤون عملية ربط الدبابة بحبال الرافعة، وما هي إلا ثوان معدودة حتى تبدأ الدبابة بالارتفاع عن سطح الباخرة وقد ركب فيها سدنتها، وما تكاد الدبابة تلامس الرصيف حتى يكون السائق قد أدار محرك الدبابة وانطلق بها إفرادياً على الطريق المؤدي إلى الجبهة ليصل بعد قليل إلى مكان التسليح والتذخير والملء بالمحروقات. وبعد أن تتم هذه العملية،كان السائق يتوجه دون توقف لمتابعة المسير باتجاه الجبهة، وأمانة للتاريخ فإنه نادراً ما كانت دباباتنا تشاهد جسراً مقصوفاً أو معبراً مخرباً،ذلك أن أبناء الشعب العربي السوري رجالاً ونساءً كانوا يتوجهون مباشرة بعد القصف الجوي المعادي إلى مكان الحادث ليعاونوا الجيش الشعبي والدفاع المدني ورجال الأمن في إصلاح ما تهدم رغماً عن القنابل الموقوتة لتي كان يلقيها العدو الإسرائيلي، وخلال دقائق،وغالباً لا تتجاوز الساعة، يصبح الجسر أو المعبر جاهزاً لمرور الدبابات.وحين كان رجال الدبابات يعبرون الجسر، بعد إصلاحه، متجهين إلى الجبهة، كانت النساء يزغردن للأبطال ويدعون لهم بالنصر. إنها حقاً مأثرة لا تنسى عن تلاحم الشعب وقواته المسلحة تلاحماً أمد القوات وزاد القوى المعنوية وهذا ما جعلها تستمر في المعركة مدة أطول.
تمكنت القيادة العامة للقوات المسلحة السورية من تجهيز عدة ألوية مدرعة بدبابات(ت 62) بفضل الإمدادات العسكرية السوفييتية في أثناء حرب تشرين التحريرية، كما كانت قوات صلاح الدين العراقية قد استكملت وحداتها، وأصبحت تضم فرقتين مدرعتين ولواء مشاة جبلي، كما أن القوات الأردنية عززت اللواء 40 الذي شارك في العمليات الأخيرة بلواء مدرع آخر هو اللواء 92 بالإضافة إلى قيادة الفرقة الثالثة مشاة أردنية.وقد كانت هذه القوات متأهبة لشن الهجوم العام المعاكس على العدو ابتداء من يوم 21 تشرين أول/أكتوبر 1973.

 


 

وبعد دراسة خطة العملية الهجومية من قبل القيادة العامة السورية والتي اشترك فيها الضباط القادة العراقيون والأردنيون تمت الموافقة على شن الضربة المعاكسة في الساعة الخامسة من يوم 23 تشرين الأول / أكتوبر 1973، كانت القيادة السورية تريد الاستعجال في تسديد الضربة المعاكسة لسببين:
الأول: عدم إتاحة الفرصة للعدو لالتقاط أنفاسه وتحسين مواقعه الدفاعية.
الثاني: تخفيف الضغط على الجبهة الغربية بعد الخرق الذي قام به العدو في منطقة الدفرسوار،وجذب جهد العدو مرة أخرى للجبهة السورية، وعلى الرغم من أهمية الأسباب المذكورة آنفاً فقد كان الأخوة العراقيون والأردنيون يرون تأجيل التنفيذ حتى صباح 23/10 أكتوبر 1973، لكي يتم استكمال القوات بكل أنواع التأمينات المادية والبشرية ويتاح الوقت اللازم للقادة، على مختلف المستويات، ليقوموا باستطلاع أرض المعركة بأنفسهم. كانت توجيهات الفريق حافظ الأسد القائد العام إلى العماد طلاس ألا يقوم بإسناد أية مهمة قتالية إلى القوات العربية، إلا بعد التأكد من أن القائمين بتنفيذ المهمة مرتاحون نفسياً للقيام بها، وقد كان المهم أن لا يقسروا قسراً على تنفيذ مهمة قتالية غير مقتنعين بنجاحها، يضاف إلى ذلك أن الجبهة السورية كانت قد استقرت وكسرت شوكة الهجوم الإسرائيلي، وإذا كان من جملة المبادئ الرئيسية التي أخذناها بعين الاعتبار عند التخطيط لحرب تشرين التحريرية، أن نطيل أمد الحرب ما أمكننا ذلك، فقد استجبنا لطلب الأخوة العراقيين والأردنيين بتأجيل تنفيذ الضربة حتى صباح 23 تشرين الأول/أكتوبر1973.
واستراحت القيادة السورية بضع ساعات من ليلة 20 - 21 تشرين الأول/أكتوبر 1973، بعد إسنادها المهام القتالية للفرق الأولى والثالثة والسابعة والتاسعة وقوات صلاح الدين العراقية وقوات الفرقة الثالثة الأردنية، وكان حجم القوى والوسائط كافياً لسحق القوات الإسرائيلية المتمركزة في قطاع الخرق وتدميرها. ومن ثم القيام بتحرير الجولان بكل القوى والاحتياطات الموجودة في الجبهة السورية.
لكن، في صبيحة 21 تشرين الأول / أكتوبر 1973 على وجه التحديد، حدثت مفاجأة هامة وهي قبول القيادة السياسية في جمهورية مصر العربية بوقف إطلاق النار على الجبهة الغربية، بعد المساعي الدولية التي بذلت بهذا المجال. ووضعت القيادة السورية من جديد أمام الاختيار الصعب. كانت مصلحة الأمة العربية، والقضية الفلسطينية على وجه التحديد، تقضيان باستمرار الحرب مهما كلف الثمن لتحقيق النصر على العدو.
كان صدور قرار مجلس الأمن رقم 338 مفاجأة، بل لم تعلم القيادة بوجود مشروع قرار أو بدعوة مجلس الأمن للانعقاد إلا بعد أن تناقلته محطات الإذاعة ووكالات الأنباء، وقد وضع القرار القيادة أمام ظروف جديدة، كان لابد من أخذها بعين الاعتبار، فقد كان موجها إلى كل الأطراف المتحاربة في المنطقة، وسورية طرف رئيسي، فكان ينبغي إذاً أن تدرس الظروف المستجدة التي نشأت أو ستنشأ عنه وأن يحدد الموقف منها. وهكذا كان.. فقد درس قرار مجلس الأمن في سورية بشعور عميق بالمسؤولية انطلاقاً من المصلحة القومية والالتزام بالمبادئ والأهداف التي قاتلت سورية في سبيلها، وعقد الرئيس حافظ الأسد لهذه الغاية سلسلة من الاجتماعات منذ صباح الثاني والعشرين من شهر تشرين الأول 1973 وحتى نهاية الثالث والعشرين من الشهر نفسه.
استهل الرئيس الأسد اجتماعاته مع مجلس الدفاع العسكري ثم عقد اجتماعات مطولة للقيادتين القومية والقطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، والقيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية، كما أجرى اتصالات هاتفية مع ملوك الدول العربية ورؤسائها تبادل معهم الرأي حول الموقف الراهن كما أجرى عدة اتصالات مع الاتحاد السوفييتي، وكانت كل هذه الاتصالات موضع اعتبار في الاجتماعات المذكورة التي عقدها الرئيس حافظ الأسد لدراسة قرار مجلس الأمن، وقد توخى الرئيس الأٍسد من اتصالاته مع الشقيقة جمهورية مصر العربية، ومع الاتحاد السوفييتي، أن يستجلي الموقف بكل نواحيه فيما يتعلق بهذا القرار.
وخلال هذه الاتصالات التي أجراها الرئيس الأسد أكد له الرئيس أنور السادات أنه تلقى من القادة السوفييت ضمانات بأن يتم انسحاب إسرائيل انسحاباً كاملاً من جميع الأراضي العربية المحتلة، كما أكد الاتحاد السوفييتي للرئيس الأٍسد أن موقفه في كل هذا الأمر ينسجم ويتجاوب مع موقف القطر العربي السوري ومصالحه وتطلعات الشعب العربي المشروعة، ولذلك فإنه عند إعداد مشروع قرار مجلس الأمن، استرشد بتأكيد سورية على انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي العربية المحتلة، وعلى استرداد الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني.
وبنتيجة الاتصالات التي أجراها الرئيس حافظ الأسد، لاسيما مع الشقيقة جمهورية مصر العربية، ومع الاتحاد السوفييتي باعتباره إحدى الدولتين صاحبتي مشروع القرار، فقد استنتجت القيادة السياسية في سورية أن قرار مجلس الأمن رقم 338 يعني انسحاب إسرائيل الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة، كما فهمت أيضاً أن هذا القرار يعني عدم المساس بحقوق الشعب العربي الفلسطيني الذي سيكون وحده صاحب الرأي الأول والأخير وصاحب القرار النهائي عند أي بحث لقضيته.
وعلى أساس هذا الفهم لقرار مجلس الأمن، وبعد أن وافقت عليه جمهورية مصر العربية في ضوء القناعات التي تكونت لدى الرئيس أنور السادات، فقد وافقت القيادة السياسية في الجمهورية العربية السورية على قرار مجلس الأمن، وصدرت إلى القوات المسلحة الأوامر بوقف إطلاق النار، بشرط أن يلتزم العدو بذلك، كما أُعطيت التعليمات اللازمة لقواتنا المسلحة بأن تكون على أهبة الاستعداد لاستئناف القتال عندما تدعو الضرورة إليه.
ونتيجة لقبول سورية بوقف إطلاق النار فقد صدر قرار بتأجيل الهجوم العام المعاكس السوري في الدقيقة الخامسة من يوم 23 تشرين الأول / أكتوبر 1973، ومما لا شك فيه أنه قد ضاعت فرصة ذهبية ونادرة للقضاء على القوات الإسرائيلية في هضبة الجولان.

 

 استنتاجات عن اقتحام الجولان

1ـ لقد أثبتت المعارك الضارية التي خاضتها القوات البرية في الجيش العربي السوري في حرب تشرين التحريرية أهمية التخطيط الدقيق للعملية الهجومية. والمقصود بذلك جهاز الأركان العامة وعلى الأخص شعبة العمليات في الجيش العربي السوري، لقد بذل رئيس شعبة العمليات وضباطها جهوداً مضنية وسهروا ساعات طويلة من أجل إعداد الدراسات اللازمة للخطة الهجومية وكانوا، كلما شكلت وحدة قتالية جديدة، يتقدمون بمقترح جديد لتطوير الخطة. وكان الموضوع يدرس دراسة كافية، في مجلس الدفاع العسكري، وأحياناً كثيرة، في لجنة المتابعة، وهي مجموعة من الضباط منبثقة من مجلس الدفاع العسكري، وعندما تنضج الخطة وتشبع دراسة يعرض الموقف على القائد العام للقوات المسلحة الفريق حافظ الأسد الذي كان يسأل عن كل شاردة وواردة في الخطة، وعندما تحصل لديه القناعة التامة كان يهز برأسه دليلاً على الموافقة ويقول: «طيب.. توكلوا على الله..» وفي إحدى المرات طلب العماد طلاس من القائد العام أن يخصص لهم من وقته خمس دقائق لدراسة التعديلات الجديدة التي أدخلت على الخطة فقال له: «خمس دقائق فقط؟..» فأجابه العماد مصطفى طلاس ربما يحتاج الأمر أكثر من ذلك بقليل ولكنا نكتفي بساعة واحدة.. فقال الأسد: «إذا كان ساعة واحدة فأنا موافق..»فقال العماد طلاس: «أرجو أن لا نأخذ من وقتكم أكثر من ذلك..» وذهب الجميع إلى غرفة العمليات وجلسوا ثلاث ليالٍ كاملة، كل ليلة (5 - 6 ساعات). 
2ـ برهنت حرب تشرين أيضاً على أهمية الحشد على قطاعات الخرق فعندما كان يحشد قوى متفوقة على العدو بنسبة ثلاثة إلى واحد على أي قطاع في الجبهة كان الخرق يتم حسب الخطة الموضوعة. وكذلك الأمر بالنسبة للعدو عندما حشد قوات متفوقة تمكن أن يحقق بعض النجاح في القطاع الشمالي من الجبهة، وهذا يدل على أهمية مبدأ حشد القوى كمبدأ رئيسي من مبادئ الحرب. 
3ـ تعتبر معارك الدبابات التي جرت في الجولان في حرب تشرين التحريرية من أعنف المعارك التي خاضتها الدبابات في التاريخ العسكري، قديمه وحديثه، سواء من حيث العدد أو من حيث النوع، أو بالعنف والشراسة التي اتسمت بهما معارك الدبابات. فقد التحمت أكثر من ألف دبابة سورية بأكثر من ألف دبابة إسرائيلية في الأسبوع الأول من الحرب، وبلغت المعارك ذروة العنف عندما كانت الدبابات الصديقة والمعادية تتقارب حتى التناطح. وفي «معركة كفر نفاخ»، على سبيل المثال لا الحصر، كانت المسافة التي تفصل بين دبابة أحد الضباط من اللواء المدرع 91 (الفرقة الأولى)، من نوع ت 62 روسية الصنع، وبين الدبابة المعادية وهي من نوع باتون م 60 الأمريكية الصنع، لا تتجاوز ثلاثمائة متر. وتشاء الصدف أن يسدد الضابط السوري على الدبابة المعادية بنفسه، وفي آن واحد كان رامي الدبابة الإسرائيلية يسدد على الدبابة السورية. وما هي إلا ثوان حتى دوى انفجار طلقتين، فقد أصاب الضابط السوري الدبابة المعادية في نقطة اتصال البرج من جسم الدبابة، فانقذف البرج إلى مسافة عشرين متراً عن مكان الانفجار. أما رامي الدبابة الإسرائيلية، فقد أصابت طلقته المنظار الموشوري لقائد الدبابة (البيرسكوب). ودخلت إحدى عشرة شظية زجاجية في عيني الضابط السوري. وعلى الرغم من إصابته بهذه الجراح في عينيه ووجهه، لم يسأل عن حالته وإنما كانت أول كلمة له: «ماذا جرى بالدبابة الإسرائيلية؟...» وقد أسفرت معارك الدبابات الطاحنة في الجولان عن تدمير قرابة تسعمائة دبابة إسرائيلية من مختلف الأنواع كما دُمر لنا زهاء ألف دبابة. 
4ـ أثبتت الصواريخ المضادة للدبابات فعاليتها في حرب تشرين التحريرية، فقد أحدثت خسائر لا بأس بها في الدبابات الإسرائيلية أثناء اجتياح الجولان كما أوقعت خسائر جسيمة في دبابات العدو عند محاولته توسيع الخرق والتقدم باتجاه دمشق. 
5ـ أثبتت المدفعية السورية تفوقها الساحق على المدفعية الإسرائيلية في حرب تشرين التحريرية. ففي رمايات التمهيد، عند ظهيرة اليوم الأول للحرب، حولت الجولان إلى جحيم حقيقي. وفي أيام الحرب كلها، لم تطلب القيادة من المدفعية أية مهمة نارية إلا وأنجزتها خلال 5 دقائق على الأكثر. وكانت نسبة احتمالات الإصابة للأهداف المعادية أكبر بكثير من نسبة احتمالات إصابة المدفعية المعادية لأهدافها، (وفي إحدى المقابلات الميدانية التي أجرتها صحافية أمريكية لجندي إسرائيلي في حرب رمضان سألته ماذا تتمنى من الله في هذا الوقت.. فأجابها: «أتمنى من الله أن يحقق لي أمنية واحدة هي أن يرفع نيران المدفعية السورية عن رؤوسنا»).
6ـ أثبت الجندي السوري في حرب تشرين التحريرية شجاعة فائقة، سواء في اقتحام المانع الهندسي الكبير الذي أقامه العدو خلف خط وقف إطلاق النار أو في الاقتحام الرأسي لجبل الشيخ. كما أثبت الجنود المغاربة شجاعة كبيرة في أثناء مشاركتهم رفاقهم السوريين في اقتحام تحصينات الجولان. كما ضرب جنود جيش التحرير الفلسطيني أمثولة رائعة في احتلالهم تل الفرس من الجو. والقول ذاته ينطبق على الجنود العراقيين والأردنيين والسعوديين والكويتيين الذين أسهموا في حرب رمضان مع الجيش العربي السوري في الأيام الأخيرة من الحرب.

دور القوى الجوية في مرحلة حرب الاستنزاف الأولى والاستعداد للحرب

بعد قيام الحركة التصحيحية المجيدة 16/11/1970 حدد القائد الخالد حافظ الأسد، الاستراتيجية العامة السياسية والعسكرية للقطر، وهي إزالة آثار العدوان، وانبثقت من استراتيجية العمل العسكري للقوات المسلّحة العربية السورية، وخلاصتها تحرير الجولان بالقوة العسكرية، وتنبع من الاستراتيجية العامة خطة الاستراتيجية السياسية، وخطة الاستراتيجية العسكرية فكراً وتطبيقاً، التي بدأ أمدها منذ نهاية عام 1970، وتضمنت خطوطها الرئيسية: 
• وضع خطة لعملية هجومية استراتيجية مشتركة، تقوم بتنفيذها القوات المسلحة السورية والمصرية، وتدريب القوات على تنفيذ المهام العملياتية المسندة لها، حسب الخطة بمشاريع عملية للقوات. 
• وضع خطط لإعادة تنظيم وتسليح القوات المسلحة، وإنشاء تشكيلات جديدة في مختلف أنواع وصنوف القوات المسلحة، لاستكمال حجم التشكيلات اللازمة حسب متطلبات خطة التحرير، مع وضع برنامج زمني للتنفيذ. 
• تنسيق العمل السياسي والعسكري مع جمهورية مصر العربية، بإنشاء قيادة سياسية موحدة، وتعيين قائد عسكري، يكون مسؤولاً عن التخطيط العسكري للحرب للقوات المسلحة السورية والمصرية. 
وتنفيذاً لهذه الخطة بدأ العمل في القوى الجوية والدفاع الجوي يجري في سباق مع الزمن في المجالات التالية: 
1- استكمال بناء المطارات الجديدة وملاجئ الطائرات. 
2- تشكيل ألوية جوية وألوية صواريخ م/ط جديدة. 
3- إعداد الكوادر من طيارين وفنيين وأطقم ألوية الصواريخ م/ط، لاستيعاب العتاد الحديث الذي تمّ توريده من الاتحاد السوفييتي، من طائرات ومنظومات دفاع جوي حديثة. 
4- إنشاء المستودعات وتكوين المخزونات المادية. 
5- إنشاء المراكز الرادارية الجديدة. 
6- تنظيم التجهيز الهندسي والتمويه للمواقع والثكنات. 
وبالإضافة إلى ذلك وبنفس الوقت كانت القوى الجوية والدفاع الجوي في حالة جاهزية قتالية عالية، ومستعدة لصد أي عدوان محتمل. 
ركزت القوى الجوية على تدريب الطيارين على أساليب تكتيكية جديدة، لخوض المعارك الجوية على ضوء الدروس المستفادة، من خبرات المعارك الجوية السابقة التي خاضتها مع العدو، كما نفذت عدة مشاريع تكتيكية جوية نهاراً وليلاً لإكساب طياري الطيران المقاتل القاذف، المهارة العملية على تنفيذ القصف والرمايات، ضمن شروط الأعمال القتالية الحقيقية بقوام الأسراب. 
نفذت القوى الجوية خلال عام 1972، وحتى بداية حرب تشرين التحريرية، مهام التصدي لطيران العدو، لمنعه من تنفيذ الاستطلاع وقصف مواقع القوات الصديقة، كما قامت بتوجيه ضربات جوية على مواقع العدو في مستوطنات العال وجبين والغسانية قرب القنيطرة. 
كان للمعارك الجوية التي خاضها الطيارون، في فترة حرب الاستنزاف الأولى وبداية حرب تشرين التحريرية دوراً بارزا وحاسماً في إكسابهم الخبرة والمهارة العملية، على استخدام العتاد الحديث بأقصى مردود في الصراع مع العدو الجوي، وبرزت خلال هذه المعارك الروح المعنوية العالية للطيارين، في التضحية والفداء ونكران الذات وتحدي الصعاب، وكانت دماء شهداء القوى الجوية الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل جعل سماء القطر منيعة، ومشعل نور أضاء النصر في حرب تشرين التحريرية.


دور القوى الجوية في حرب تشرين التحريرية
تم تخطيط الأعمال القتالية للقوى الجوية والدفاع الجوي وفق المهمة المسندة من القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة بسرية تامة، كما تم تدريب طياري ومقاتلي قوات الدفاع الجوي في التشكيلات والقطعات والوحدات على تنفيذ المهام بمشاريع تكتيكية للتشكيلات بشكل مستقل ومن ثم للقوى الجوية والدفاع الجوي بالكامل حيث كانت صباح 6/10/1973 جاهزة لتنفيذ المهام القتالية في تأمين العملية الهجومية للقوات البرية. 
يوم 6/10: 
تضمنت خطة العملية اشتراك القوى الجوية في تنفيذ ضربة جوية كثيفة بقوام 76 طائرة مقاتلة قاذفة على الأهداف المعادية (ميرون - مرصد جبل الشيخ - مواقع العدو في حرش مسعدة - تل أبو الندى - تل الفرس - مقر قيادة كفر نفاخ) وتم تحديد توقيت الضربات في الفترة من سعت 13,55 - 14,00 يوم 6/10/1973 مع بدء التمهيد الناري للهجوم. وتنفيذ إنزال جوي رأسي في مرصد جبل الشيخ بقوام 4 حوامات نقل مباشرة مع نهاية تمهيد الطيران للإنزال. 
أقلعت مجموعات الطائرات المقاتلة القاذفة من الطرازات ميغ- 17 وسو - 7 وسو - 20 المشتركة في تنفيذ الضربة الجوية الكثيفة بصمت لاسلكي وتقربت من أهدافها المحددة على الارتفاعات المنخفضة جداً وتم انتقاء محاور الطيران بحيث تصل الطائرات إلى خط الكشف الراداري المعادي بآن واحد وبأقل زمن إنذار ممكن للعدو ونفذت تشكيلات الطيران المقاتل القاذف قصف الأهداف المحددة لها بدقة وعادت جميع الطائرات إلى قواعدها. 
تم تأمين الطائرات المقاتلة القاذفة أثناء تنفيذها للضربة الجوية الكثيفة، بتنفيذ التشويش الراداري على محطات الرادار المعادية المخصصة للكشف والإنذار والتشويش على وسائط قيادة نيران الصواريخ م/ط هوك المعادية بواسطة طائرة الحرب الإلكترونية طراز أنتونوف 12 ب ـ ب وأجهزة حرب إلكترونية من مواقع أرضية. 
تم تنفيذ الإنزال الجوي في مرصد جبل الشيخ سعت 14,00 مع نهاية تمهيد الطيران وتمكنت قوات الإنزال من احتلاله خلال الدقائق الأولى من الحرب. 
ونتيجة احتلال مرصد جبل الشيخ المعادي فقدت إسرائيل موقعاً استراتيجياً له أهمية خاصة نظراً لأنه يشرف على كامل منطقة الأعمال القتالية ويعتبر من أهم المراكز لتنفيذ الاستطلاع الإلكتروني والتشويش ومجهز بأحدث الأجهزة الإلكترونية للتشويش اللاسلكي والراداري، ومع انتقال القوات البرية إلى الهجوم في الساعة 15,00 بعد تمهيد ناري كثيف باستخدام مختلف الوسائط النارية مع التركيز على مواقع القوات المعادية بقطاعات الخرق. 
نفذت القوى الجوية مهام دعم القوات البرية بقوى الطيران المقاتل القاذف، كما نفذ الطيران المقاتل تغطية القوات البرية أثناء هجومها بالتعاون مع قوات الدفاع الجوي ولم ينجح الطيران المعادي في تدمير كتائب الصواريخ م/ط الصديقة التي تغطي قوات النسق الأول وبالتالي لم يتمكن من تقديم الدعم الجوي الفعال لقواته البرية المدافعة وتم إسقاط 3 طائرات معادية بالصواريخ م/ط الصديقة. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية في اليوم الأول للحرب 190 طلعة/ طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 343 طلعة/ طائرة. 
لم يوجه سلاح الجو الإسرائيلي ضربة وقائية وقد فوجئ بهجوم القوات العربية على الجبهتين السورية والمصرية ولم ينجح العدو في صد الضربة الجوية الكثيفة وتدمير قوات الإنزال. 
يوم 7/10: 
تابعت القوى الجوية والدفاع الجوي تغطية هجوم القوات الصديقة وأغراض مؤخرة البلاد، وتمكنت من تحقيق السيطرة الجوية الجزئية في منطقة الأعمال القتالية وبلغ عدد الاشتباكات التي نفذتها مع الطيران المعادي 6 اشتباكات، وخلال محاولة الطيران المعادي مهاجمة كتائب الصواريخ م/ط الأمامية لم ينجح في تحقيق ذلك وتكبد خسائر فادحة نتيجة إسقاط عدد كبير من طائراته بالصواريخ م/ط والاشتباكات الجوية وتم أسر 10 طيارين. 
نفذت القوى الجوية إنزالاً جوياً على موقع تل الفرس وقامت بتقديم الدعم الجوي للقوات الصديقة أثناء هجومها. 
تابع العدو تنفيذ مهام تغطية قواته البرية بالاعتماد بشكل أساسي على طيرانه المقاتل ولم يكن دعمه لقواته البرية فعال نظراً لتصدي الطيران المقاتل والصواريخ م/ط لطيرانه المقاتل القاذف. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 253 طلعة/ طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 711 طلعة/طائرة. 
يوم 8/10:
نفذت القوى الجوية والدفاع الجوي، تغطية القوات وأغراض البلاد، ودعم القوات البرية، كما نفذت استطلاعاً بالتصوير الجوي لكامل قطاع الجبهة، وقامت بنقل المؤن والعتاد لقوات الإنزال في مرصد جبل الشيخ بواسطة حوامات النقل، وتمكن الطيران المقاتل وكتائب الصواريخ م/ط من صدّ طيران العدو، أثناء تنفيذه الضربات الجوية على المطارات، ومراكز الرادار ومقرات القيادة في المنطقة الجنوبية، وبلغ عدد الاشتباكات الجوية المنفذة 11 اشتباكاً.. 
بدأ العدو المحاولة لكسب السيطرة الجوية التكتيكية من خلال تنفيذه الضربات الجوية على المطارات ومراكز الرادار ومقرات القيادة مستخدماً التشويش الإلكتروني السلبي والإيجابي بكثافة، ولم يتمكن العدو من إبطال عمل منظومة الدفاع الجوي نتيجة تكبده خسائر جسيمة بالطيارين والطائرات أثناء توجيه الضربات الجوية عليها في الأيام السابقة، كما فشل في محاولته إخراج الطيران من المعركة بتدميره على الأرض في المطارات إذ لم تكن ضرباته فعالة حيث أن قوام الطائرات الذي تمكن من الوصول إلى المطارات كان أقل من العدد اللازم لإبطال المطار لمدة طويلة. واستخدم العدو في قصف المطارات ومراكز الرادار القنابل العنقودية للتأثير على العناصر. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 441 طلعة/طائرة منها 89 طلعة/ طائرة لدعم القوات البرية الصديقة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 957 طلعة/طائرة. 
يوم: 9/10: 
نفذت القوى الجوية والدفاع الجوي، تغطية القوات وأغراض مؤخرة البلاد بنجاح، وقام بالتصدي للطيران المعادي، الذي حاول خلال هذا اليوم قصف المنشآت الحيوية(مصفاة البترول ـ محطات الطاقة الكهربائية) ومقرات القيادة وبعض المعسكرات بهدف التأثير على المجهود الحربي والروح المعنوية للقوات. وتم تنفيذ 4 اشتباكات جوية أسقط خلالها 5 طائرات معادية كما أسقطت وسائط الدفاع الجوي 24 طائرة. 
كما نفذت القوى الجوية مهام دعم القوات البرية بفعالية كبيرة وقامت بتنفيذ إنزال جوي في كفر نفاخ، ونتيجة عدم تأمين التمهيد الناري لمنطقة الإنزال بشكل جيد أدى هذا الإنزال إلى وقوع خسائر كبيرة في حوامات وقوات الإنزال الصديقة. 
شاركت وحدات من القوى الجوية العراقية التي وصلت إلى القطر يومي 7 و8/10/1973 في تنفيذ مهام التغطية والدعم. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 510 طلعة/ طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 512 طلعة/ طائرة. 
يوم 10/10:
قام الطيران المعادي خلال اليوم بتنفيذه عدة ضربات جوية كثيفة استهدفت المطارات والموانئ ومستودعات البترول في عدرا، ومراكز الطاقة الكهربائية لتحقيق كسب السيطرة الجوية. وتم صد الضربات الجوية الكثيفة المعادية بقوى الطيران المقاتل، بالتعاون مع وسائط الدفاع الجوي، حيث بلغ عدد الاشتباكات الجوية المنفذة 5 اشتباكات تم خلالها إسقاط 18 طائرة، كما أسقطت وسائط الدفاع الجوي 25 طائرة معادية. 
نفذت القوى الجوية مهام دعم القوات البرية بقوى الطيران المقاتل القاذف، حسب الطلب وبلغ عدد الطلعات المنفذة 74 طلعة/ طائرة. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 473 طلعة/طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 670 طلعة/ طائرة. 
يوم 11/10:
تابع الطيران المعادي تنفيذ الضربات الجوية الكثيفة، على المطارات والموانئ ومصفاة البترول، لتحقيق كسب السيطرة الجوية. ونفذت القوى الجوية بقوى الطيران المقاتل بالتعاون مع وسائط الدفاع الجوي، صد الضربات الجوية، الكثيفة المعادية بكفاءة عالية، وتم خوض معارك جوية مع الطيران المعادي أسقط خلالها 3 طائرات معادية كما أسقطت وسائط الدفاع الجوي 76 طائرة. 
• ركزت القوى الجوية والدفاع الجوي على تغطية القوات البرية، بالتصدي للطيران المعادي الضارب، أثناء تنفيذه الضربات على القوات الصديقة لدعم قواته القائمة بالضربة المعاكسة. 
• تم تنفيذ إنزال جوي بقوام 4 حوامات نقل في مزرعة بيت جن. 
• ركز العدو خلال هذا اليوم جهداً جوياً كبيراً على الجبهة السورية، واستخدم طائرات الاستطلاع المسيرة ذاتياً في منطقة الجبهة، كما استخدم التشويش السلبي والحراري، لتأمين طائراته أثناء تنفيذها المهام، وكان تأثير التشويش الإيجابي على المحطات الراداريةومحطاتالسطع والتوجيه في كتائب الصواريخ م/ط من مواقع الحرب الإلكترونية الأرضية المعادية قوياً. واستخدم الصواريخ الموجهة جو - أرض من طراز شرايك ضد محطات توجيه الصواريخ م/ط (فولغا -بتشورا).
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 294 طلعة/طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 878 طلعة/ طائرة. 
يوم 12/10: 
تابع الطيران المعادي توجيه الضربات الجوية الكثيفة منذ الصباح وحتى آخر ضوء على المطارات والقوات، ونفذت القوى الجوية والدفاع الجوي صد الضربات الجوية الكثيفة المعادية بالطيران المقاتل ووسائط الدفاع الجوي، حيث بلغ عدد الاشتباكات الجوية المنفذة 8 اشتباكات، تم خلالها إسقاط 4 طائرات معادية كما أسقطت وسائط الدفاع الجوي 30 طائرة. 
نفذت القوى الجوية مهمة دعم القوات البرية بفعالية كبيرة بقوى الطيران المقاتل القاذف، حيث تم تنفيذ 126 طلعة/طائرة تم خلالها توجيه الضربات على مواقع العدو وأرتاله المتقدمة باتجاه سعسع. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 481 طلعة/طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 750 طلعة/ طائرة. 
يوم 13/10:
نفذت القوى الجوية والدفاع الجوي مهمة صد الضربات الجوية الكثيفة المعادية، التي استهدفت المطارات في المنطقة الجنوبية، بقوى الطيران المقاتل ووسائط الدفاع الجوي، حيث نفذ الطيران المقاتل اشتباكين مع الطائرات المعادية. وتم إسقاط 14 طائرة بوسائط الدفاع الجوي. كما نفذت مهمة دعم القوات البرية بقوام الطيران المقاتل القاذف وتم تنفيذ 60 طلعة/طائرة. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 390 طلعة/طائرة.
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 450 طلعة/ طائرة.
يوم 14/10:
ركز العدو خلال هذا اليوم جهوده على مطار المزة، حيث قام بتوجيه عدة ضربات جوية على المطار استهدفت تدمير المهبط والمنشآت والقوى الحية، نظراً للتأثير الكبير للطيران المقاتل القاذف المتمركز في المطار على القوات البرية المعادية، وتمكنت القوى الجوية من صد الضربات الجوية المعادية بالطيران المقاتل ووسائط الدفاع الجوي، وتم إسقاط 2 طائرة معادية بوسائط الدفاع الجوي ولم يتمكن الطيران المعادي من تحقيق هدفه حيث تم إصلاح المهبط واستعادة جاهزية المطار بسرعة خلال نفس اليوم. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 327 طلعة/طائرة، منها 13 طلعة لدعم القوات. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 410 طلعة/طائرة. 
يوم 15/10:
نتيجة الخسائر الكبيرة التي تكبدها الطيران المعادي، أثناء تنفيذه الضربات الجوية الكثيفة في الأيام السابقة، على المطارات ومواقع كتائب الصواريخ م/ط، أوقف العدو محاولاته في توجيه الضربات الجوية، على المطارات لكسب السيطرة الجوية، ولجأ إلى توجيه الضربات على مستودعات الوقود والموانئ، بهدف منع وصول الإمدادات إلى القطر عن طريق البحر. 
نفذت القوى الجوية والدفاع الجوي مهمة صد الضربات الجوية، وتغطية القوات البرية، وأغراض مؤخرة البلاد، وتم إسقاط طائرة معادية بالطيران المقاتل، و3 طائرات بوسائط الدفاع الجوي. كما نفذت خلال اليوم 47 طلعة/ طائرة لدعم القوات البرية. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 393 طلعة/طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 320 طلعة/ طائرة.
يوم 16/10: 
حاول العدو توجيه ضربات جوية على بعض المطارات في المنطقة الجنوبية، كما قام بقصف سد الرستن. ونفذت القوى الجوية والدفاع الجوي مهمة صد الضربات الجوية المعادية وتغطية القوات وأغراض مؤخرة البلاد، حيث نفذ الطيران المقاتل 6 اشتباكات جوية مع الطيران المعادي تم خلالها إسقاط 3 طائرات معادية، وفشل العدو في توجيه الضربات على المطارات. 
نفذت القوى الجوية مهمة دعم القوات البرية بقوى الطيران المقاتل القاذف، وتم تنفيذ 44 طلعة/ طائرة. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 357 طلعة/طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 325 طلعة/ طائرة.
يوم 17/10:
نفذت القوى الجوية والدفاع الجوي مهمة تغطية القوات وأغراض مؤخرة البلاد بنجاح، حيث تم تنفيذ 6 اشتباكات جوية مع الطيران المعادي أثناء قيامه بتوجيه الضربات على المنشآت المدنية في اللاذقية ومستودعات قارة وتجمعات القوات، تم خلالها إسقاط 8 طائرات معادية بالطيران المقاتل و2 طائرة بوسائط الدفاع الجوي. نفذت القوى الجوية 12 طلعة/ طائرة لدعم القوات البرية. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 366 طلعة/طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 285 طلعة/ طائرة.
يوم 18/10:
لوحظ انخفاض نشاط الطيران المعادي بشكل ملحوظ خلال اليوم، واقتصر نشاطه على تغطية القوات وأغراض مؤخرة البلاد. 
نفذت القوى الجوية والدفاع الجوي مهمة تغطية القوات وأغراض مؤخرة البلاد. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 288 طلعة/طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 160 طلعة/ طائرة.
يوم 19/10:
نفذت القوى الجوية والدفاع الجوي مهمة تغطية القوات وأغراض مؤخرة البلاد، وتم تنفيذ اشتباك جوي مع الطيران المقاتل المعادي الذي حاول التصدي لتشكيل من الطيران المقاتل القاذف، أثناء تنفيذه مهمة دعم القوات البرية تم خلاله إسقاط طائرة معادية. 
كما نفذت 46 طلعة/ طائرة مقاتلة قاذفة لدعم القوات البرية. 
اقتصر نشاط الطيران المعادي على تغطية قواته البرية. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 296 طلعة/طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 245 طلعة/طائرة. 
يوم 20/10: 
نفذت القوى الجوية والدفاع الجوي مهمة تغطية القوات البرية وأغراض مؤخرة البلاد، كما قام تشكيل من الطيران المقاتل القاذف بقصف مصفاة حيفا، وتنفيذ المهمة دون أن يتمكن الطيران المعادي من اعتراضه، وتم إسقاط طائرة من التشكيل بالصواريخ هوك م/ط التي تغطي مدينة حيفا. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 297 طلعة/طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 159 طلعة/طائرة. 
يوم 21/10:
نفذت القوى الجوية والدفاع الجوي مهمة تغطية القوات وأغراض مؤخرة البلاد، بالتصدي للطيران المعادي أثناء قيامه بتوجيه الضربات على المنشآت المدنية في منطقة العريضة وتلكلخ وأثناء محاولته التصدي لحوامات الإنزال الذي نفذ على جبل الشيخ، وبلغ عد الاشتباكات المنفذة 7 اشتباكات جوية تم خلالها إسقاط 10 طائرات معادية كما تم إسقاط 2 طائرة معادية بوسائط الدفاع الجوي. 
نفذت القوى الجوية إنزالاً جوياً بقوام 5 حوامات نقل في مرصد جبل الشيخ بمهمة نقل قوات ومعدات لتعزيز قوات الإنزال في المرصد. 
نفذت القوى الجوية 26 طلعة/طائرة مقاتلة قاذفة لدعم القوات البرية. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 382 طلعة / طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 280 طلعة/ طائرة. 
يوم 22/10:
ركز الطيران المعادي خلال اليوم على قصف مرصد جبل الشيخ ودعم قواته البرية، ونفذت القوى الجوية والدفاع الجوي مهمة التصدي للطيران المعادي بقوى الطيران المقاتل ووسائط الدفاع الجوي وبلغ عدد الاشتباكات المنفذة 6 اشتباكات تم خلالها إسقاط 7 طائرات معادية وإسقاط طائرة بوسائط الدفاع الجوي. 
نفذت القوى الجوية 12 طلعة/ طائرة مقاتلة قاذفة لدعم القوات البرية. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 353 طلعة/ طائرة.
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 396 طلعة/ طائرة. 
يوم 23/10:
نفذت القوى الجوية والدفاع الجوي مهمة صد الضربات الجوية المعادية، التي نفذها على مواقع القوات البرية وعلى مستودعات الوقود في عدرا، وعلى مرصد جبل الشيخ، وبلغ عدد الاشتباكات المنفذة 4 اشتباكات تم خلالها إسقاط 7 طائرات معادية وإسقاط طائرة بوسائط الدفاع الجوي. 
قام العدو بتنفيذ إنزالات جوية على جبل الشيخ. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 223 طلعة/ طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 340 طلعة/ طائرة. 
يوم 24/10: 
نفذت القوى الجوية والدفاع الجوي مهمة تغطية القوات البرية وأغراض مؤخرة البلاد واقتصر نشاط طيران العدو على تغطية قواته. 
تم إسقاط طائرة مسيرة من نوع رايان فايربي بواسطة الصواريخ م/ط. 
• بلغ مجموع الطلعات التي نفذتها القوى الجوية 234 طلعة/ طائرة. 
• بلغ عدد الطلعات المكتشفة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي 186 طلعة/ طائرة. 
الخاتمة:
لم يكن صدور قرار مجلس الأمن رقم 338 بتاريخ 23/10/1973، القاضي بإيقاف إطلاق النار على كلا الجبهتين، في الواقع سوى حد فاصل زمني، بين نهاية حرب تشرين التحريرية، وبداية حرب الاستنزاف. 
كان للقوى الجوية والدفاع الجوي دور بارز في بتر الذراع الطويلة، التي كان العدو الإسرائيلي يتبجح بها وهي سلاحه الجوي، وحطمت صلفه وغروره. وتمكن مقاتلو القوى الجوية والدفاع الجوي من تكبيد العدو خسائر جسيمة بالطيارين والطائرات، ولم يستطع العدو كسب السيطرة الجوية وتوقف عن محاولته. 
ونتيجة لذلك لم يتمكن سلاح الجو الإسرائيلي من تقديم الدعم الجوي بفاعلية لقواته البرية. وكان الوعي السياسي والفهم العميق لرجال القوى الجوية والدفاع الجوي بعدالة قضيتهم والروح المعنوية العالية التي تمتع بها المقاتلون، حافزاً قوياً على استبسالهم في مواجهة طيران العدو، وجعل سماء القطر منيعة في وجهه، وكانوا بذلك موضع فخر واعتزاز وجاء تكريم القائد الخالد حافظ الأسد لهم بقوله: 
«إن ما فعله نسورنا ورجال دفاعنا الجوي البواسل كان خارقاً، وإنهم لجديرون منا بكل الحب والتقدير والإعجاب. ومنحت القيادة عدداً كبيراً من الطيارين ومقاتلي الدفاع الجوي وسام بطل الجمهورية تقديراً لبطولاتهم في التصدي لطيران العدو وإسقاط طائراته. 
لقد أغنت حرب تشرين التحريرية التاريخ العسكري الحديث بالدروس العملية، وكانت جديرة باهتمام كافة المفكرين والقادة العسكريين في مختلف دول العالم الثالث، الذين عملوا على تتبع وقائعها وتحليل معطياتها، من وجهة نظر الفن العملياتي واستخلاص الدروس المستفادة منها.


لائحة بأسماء الضباط الطيارين الذين منحوا وسام بطل الجمهورية العربية السورية
خلال حرب تشرين التحريرية عام 1973م.

 

مسلسل     الرتبة                 الاسم والشهرة              
1 عقيد عدنان بن حسين الحاج خضر
2 مقدم عبد الرحمن بن عبسي الكامل
3 نقيب حسـن بـن علي الكـردي
4 نقيب أديب بن عجيب الجرف
5 نقيب مجيد بن قاسم الزغبي
6 نقيب كمال بن مصطفى أبو الخير
7 نقيب محلي محمد بن أحمد الحميدي
8 نقيب محلي نجدت بن محمد الجلبي
9 ملازم أول علاء الدين بن عارف عابدي
10 ملازم أول غسان بن صلاح الدين عبود
11 ملازم جلال الدين بن محمد وحيد خدام
12 ملازم رفيق بن محمد جمعة درخباني
13 ملازم مجتبى بن محمد بلال

 

 

 دور الدفاع الجوي في حرب تشرين التحريرية

ظهر الدفاع الجوي في حرب تشرين التحريرية، من حيث سير الأعمال القتالية ونتائجها،كأحد أهم مظاهر هذه الحرب، فقد أبدى دوراً بارزاً ومتميزاً في التأثير الحاسم على سير العمليات الحربية، من خلال المعارك التي خاضها ضد وسائط الهجوم الجوي المعادي وتمكنه ليس فقط من إلحاق الخسائر الفادحة به،ومنعه من كسب السيطرة الجوية وتنفيذ مهامه فحسب، بل من تحطيمه تماماً وفي الجو، وبالتالي تحقيق تغطية البلاد والقوات وبدرجة عالية من الكفاءة والفعالية.
وأصبح الدفاع الجوي خلال الحرب وبعدها، موضوعاً للاهتمام والإعجاب وحديثاً للمراقبين والمنظرين العسكريين والصحافة على الصعيدين الرسمي والشعبي، فقد جاء في حديث لمراسل جريدة «اللوموند الفرنسية» في بيروت في 11/10/1973م:
(كانت الطائرات الإسرائيلية تصطدم بحاجز اللهب، عندما كانت تحاول مهاجمة القوات العربية في الجبهة الشمالية التي تتمتع بأقوى أجهزة الدفاع والقتال الجوي وأحدثها، وإن كل ثماني طائرات إسرائيلية تحاول اختراق هذا الحاجز يعني التضحية بسبع منها، وهذا ما كبد الإسرائيليين أفدح الخسائر بل إنهم واجهوا في كثير من الأيام كوارث حقيقية وفي إحداها ضحوا بإحدى وتسعين طائرة في خلال عشر ساعات).
وخير تعبير عن ذلك ما قاله الرئيس الخالد حافظ الأسد في خطابه للشعب بعيد حرب تشرين:
(أما في الجو فقد شاهدتم بأنفسكم ما حل بطيران العدو، لقد رأى الكثيرون منكم طائراتهم تتساقط ورأوا طائراتنا تطاردها، ووسائط دفاعنا الجوي تلاحقها، وتجعل منها كتلاً من النار تلتهب في الجو، أو كتلاً من الحديد تسقط على الأرض، وقبضتم على الكثير من طياري العدو الذين هبطوا بالمظلات طلباً للنجاة). 
أفرزت حرب عام 1967م ضرورة التوسع بالدفاع الجوي كماً ونوعاً، فتم بناءاً على ضوء ذلك تشكيل فوجي صواريخ مضادة للطائرات موجهة من طراز دفينا حتى عام 1970م وبالمقابل أطلق الإسرائيليون العنان لدعاياتهم في تضخيم انتصارهم وقدراتهم ولقبوا جيشهم «بالأسطورة التي لا تقهر» وقوتهم الجوية «بالذراع الطويلة»، مستفيدين من الدعم الأمريكي الكبير بالسلاح والمال، الذي بدأ بالظهور بعد هذه الحرب ومنها طائرة الفانتوم 4 ـf ، واستمرؤوا العدوان وأصبحت أعباء الدفاع الجوي كبيرة.
ولما قامت الحركة التصحيحية في عام 1970م، شهدت الأعوام الثلاثة التي تلتها وحتى عام 1973م، تطوراً نوعياً وكمياً للدفاع الجوي، فقد تم بتوجيه من القائد الخالد حافظ الأسد، تشكيل 6 ألوية صواريخ مختلطة، ثلاثة منها من طراز (فولغا –بتشورا) دمج معها فوجا الصواريخ (دفينا)، وثلاثة أخرى محمولة – ذاتية الحركة – من طراز (كفادرات)، وكذلك 9 أفواج مدفعية، كما دخل في الخدمة صواريخ محمولة على الكتف من طراز (كوبرا)، ومدفعية مضادة للطائرات رباعية عيار 23مم مقادة بالحاسب والرادار ذاتية الحركة من طراز (شيلكا).


ترافق ذلك، وخلال هذه الفترة القصيرة من الزمن، بإعداد الأطقم والقادة العاملين في هذه التشكيلات إعداداً دقيقاً ومضنياً، وصلت عدد ساعات التدريب إلى 18 ساعة في اليوم مع تركيز على التدريب الفني والاستخدام القتالي والتكتيكي.
وقد أثبت مقاتل الدفاع الجوي السوري قدرته الفائقة ليس على التحمل فحسب، بل مقدرته الفائقة أيضاً على استيعاب التكنولوجيا الحديثة وفنون القتال «فن التكتيك وفن العمليات»، وتم الإبلاغ عن الجاهزية تباعا وقد وصل معدل تشكيل اللواء والانتهاء من تدريبه إلى فترة 6 أشهر وهذا معدل قياسي.
وأصبح الدفاع الجوي عشية الخامس من تشرين الأول عام 1973م يضم القوام التالي:
• 3 ألوية صواريخ مختلطة من طراز (فولغا -بتشوار- دفينا ).
• 3 ألوية صواريخ محمولة من طراز (كفادرات).
• 15 فوج مدفعية للدفاع الإقليمي.
• 4 أفواج مدفعية وقطعات و وحدات مد م/ط خفيفة مع القوات البرية بالإضافة إلى الشيلكا والكوبرا.
في حين بلغ حجم القوات الجوية الإسرائيلية «الذراع الطويلة» ما يلي:
• 486 طائرة قتالية معظمهم من طراز (فانتوم 4ـ f وميراج C– 3 ).
• 188 طائرة متنوعة للسطع والحرب الإلكترونية والنقل العسكري.
• أكثر من 76 حوامة قتالية ونقل متنوعة.
وقد دأبت القوات الإسرائيلية على تنفيذ اعتداءات متكررة ضد القطر العربي السوري خاصة في الأعوام 70 - 71 ـ 72 منها (العدوان على مدرسة الدفاع الجوي في اللاذقية، مدرسة المدفعية في قطنا)،دفع خلالها رجال الدفاع الجوي 37 شهيداً.
تنظيم وتخطيط الأعمال القتالية:
لقد أدرك الجميع في القوات المسلحة العربية السورية أهمية الدفاع الجوي في ظل نكسة حزيران واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية من جهة، وفي ظل تنامي القدرة القتالية للعدو الجوي وتباهيه بها وغطرسته اللامحدودة من جهة أخرى، وبالتالي ظهرت الضرورة والتصميم لدى قيادة القوى الجوية والدفاع الجوي لوضع حد لذلك، ورأت هذه القيادة أنه لم يكن كافياً ما توفر من عتاد وما تم من تحضير للأطقم لتأمين تغطية البلاد والقوات ولخوض الأعمال القتالية الفاصلة في ظروف تفوق جوي معادي واضح.
فكان إذاً لا بد في هذا الواقع من الاعتماد على تنظيم وتخطيط عاليين ودقيقين للأعمال القتالية، ليكون الاستخدام القتالي في أفضل فعالية، وتأمين كافة مستلزمات هذا الاستخدام.
ولتحقيق ذلك تم الاعتماد على الأسس التالية:
* التقدير الدقيق للعدو الجوي والطبيعة المحتملة لأعماله في حال نشوب الأعمال القتالية، وما هي الأهداف التي سيهاجمها، وبأية قوى وطرق وأساليب وغير ذلك، وبالتالي أين سيتم حشد قوات الدفاع الجوي وتركيز جهودها وعلى أي اتجاهات.
* تحقيق المفاجأة، من أجل ذلك تم وضع الخطط الدقيقة للمحافظة على السرية والتمويه وأشكال الخداع والتحرك لاحتلال المواقع المحددة قبل ساعات من بدء الأعمال القتالية، وإعداد خطط للمناورة الواسعة في مجرى الأعمال القتالية، واعتماد أساليب جريئة وغير مألوفة ، لدفع قطعات ووحدات الدفاع الجوي في اتجاهات تقرب الطيران المعادي لملاقاته على المشارف البعيدة للأهداف المغطاة.
* تأمين القيادة المركزية الحازمة والمستمرة.
* تنظيم التعاون وخاصة مع الطيران الصديق.
* التأمين الشامل للأعمال القتالية، من تحضير للأرض وتحصين للمواقع، وتنظيم قواعد الإمداد الفني لأعمال الصيانة وإصلاح الأعطال، والإمداد بقطع الغيار والصواريخ والذخائر والوقود والإخلاء وغيرها.
* إسناد وإفهام المهام الدقيقة للمرؤوسين في الوقت المناسب وتقديم المساعدة.
هذا وقد أثبت سير الأعمال القتالية فيما بعد صحة القرارات المتخذة، ونجاعة الخطط الموضوعة، وخاصة فيما يتعلق بإنشاء تراتيب القتال، وتوزيع القطعات والوحدات، لتغطية أهم أغراض البلاد والتجميع الرئيسي للجيش، مما يسمح بتشكيل شبكة مترابطة ومتراصة يصعب اجتيازها من قبل وسائط الهجوم الجوي المعادي من أي اتجاه،وعلى أي ارتفاع، دون أن تتكبد خسائر فادحة، وذلك كله بتوافق وتعاون تام مع الطيران المقاتل الصديق، وكما تم تحقيق المفاجأة بشكل مبهر بالإجراءات المتخذة، فقد تبين فيما بعد أن العدو لم يكن يعرف القوام الحقيقي ولا إمكانيات الدفاع الجوي السوري، وأنه تم خداعه بالمواقع المؤقتة والكاذبة (الهيكلية) للصواريخ، وأن السرعة والسرية، التي تم تحريك قطعات الدفاع الجوي بها، وقبيل ساعات من بدء الأعمال القتالية، جعله يصطدم بحاجز اللهب الذي أشير إليه، ويبرهن على ذلك أيضاً قيامه بقصف المواقع التي تم إخلاؤها أو تركها في اليوم الثاني للحرب، في محاولة منه لتدمير وسائط الدفاع الجوي لكسب السيطرة الجوية والتي باءت بالفشل الذريع.
أما المهام المسندة للدفاع الجوي فكانت موجهة لتحقيق هدفين أساسيين:
• تغطية العاصمة دمشق وأهم الأغراض كالمطارات الرئيسية والمنشآت الحيوية في البلاد. 
• تغطية التجمع الرئيسي للجيش في العملية الهجومية.
ولتحقيق هذه الأهداف، كان لا بد من وضع الخطط الدقيقة والمفصلة لكل تشكيل ولكل قطعة ووحدة من الدفاع الجوي، وبتنسيق وتعاون تام مع الطيران الصديق سواء المقاتل/ القاذف منه،أثناء اجتيازه لجهاز الدفاع الجوي، في الذهاب لتنفيذ مهامه في الجبهة وفي عمق الأراضي المحتلة، وأثناء عودته لتأمين سلامته، وكذلك تأمين الإنزالات الجوية ومع الطيران المقاتل، في تقاسم حصاد العدو الجوي عند تغطية أغراض البلاد والتجميع الرئيسي للجيش.
وقد أثبت سير الأعمال القتالية فيما بعد، مصداقية هذه الخطط، وأدى التنفيذ الدقيق لها بالإضافة إلى القيادة المركزية الحازمة والمستمرة إلى النتائج الباهرة، فقد عملت وسائط السطع الجوي بكفاءة عالية، وكانت تظهر الموقف الجوي الآني في مقر القيادة المركزي وفي كافة مقرات القيادة، ورغم استخدام العدو للتشويش الإلكتروني، كانت تصدر أوامر وتعليمات الدلالة على الأهداف الصديقة، والمعادية باستمرار،في الوقت و بالشكل المناسبين، ومن حيث تركيز وتوزيع الجهود إلى كل قطعة ووحدة، مما أدى إلى الإقلال إلى حد كبير من حوادث الخطأ من جهة، وإلى زيادة في الفعالية والتأثير على العدو الجوي من جهة أخرى، كما ظهرت مبادرات فردية من قبل كثير من قادة القطعات والتشكيلات،وكذلك من قبل طياري المقاتلات الصديقة، مردها لمستوى التدريب العالي، والحماسة المنقطعة النظير، التي أسهمت بدورها في إظهار التعاون بأرقى أشكاله وأفضل نتائجه.


سير الأعمال القتالية:
اليوم الأول 6/10/1973م:
قبل انبلاج فجر السادس من تشرين الأول عام 1973م، كانت جميع قطعات ووحدات الدفاع الجوي قد اتخذت مواقعها المحددة لها، وأبلغت عن جاهزيتها، حيث كان العتاد مختبراً ومموهاً، والأطقم في أماكن العمل، وأجهزة الاتصال على وضع تصنت، الهدوء يخيم على كل شيء والجميع يترقب. 
وما أن أزفت الساعة 14,00 حتى نطقت أجهزة الاتصال «إنها إشارة البدء» وخلال دقائق دوى هدير الطائرات وأخذت ثمانون طائرة صديقة تجوب أجواء القطر للتغطية وثمانون أخرى مقاتلة قاذفة تعبر خط الجبهة متوجهة إلى أهدافها المحددة في الجولان المحتل، وحوامات إنزال في منطقة جبل الشيخ، وكانت مفاجأة تامة ودون ردود أفعال من الطيران المعادي. 
وعادت طائراتنا وبدأ دوي المدفعية لتنفيذ رمايات التمهيد، وتحركت أرتال القوات إلى قواعد الهجوم، وظهرت بعض الطائرات المعادية بقوام الأزواج في منطقة الجبهة وعلى مشارف العاصمة ، وتم تدمير ثلاث طائرات وهربت الأخرى. وانتهى اليوم الأول للدفاع الجوي بمعنويات عالية. 
اليوم الثاني 7/10/1973م:
كان متوقعاً أن يقوم العدو الجوي بتنفيذ هجوم كبير، بهدف تدمير طيراننا ودفاعنا الجوي، في محاولة لكسب السيطرة الجوية وإيقاف تقدم قواتنا. 
واعتباراً من سعت 6,30 بدأ ذلك الهجوم الجوي المعادي بقوام 200 طائرة، وشملت معظم مطارات الصديق وبعض مقرات القيادة ومرابض الدفاع الجوي، وجرت معارك جوية طاحنة في أجواء القطر بمشاركة الطيران المقاتل الصديق لصد ضربات العدو، أما في الجبهة فقد قامت وسائط الدفاع الجوي بتنفيذ مهام تغطية قواتنا بنجاح، وتأمين سلامة الطيران المقاتل/ القاذف، الذي ينفذ مهام دعم القوات البرية، وكذلك تأمين الإنزال الجوي على تل الفرس. 
كانت حصيلة هذا اليوم تدمير 44 طائرة معادية من قبل دفاعنا الجوي، و15 طائرة من قبل الطيران الصديق من أصل 443 طلعة طيران معادي، أي تدمير ما نسبته 12% منها خلال هذا اليوم، ولم تقع خسائر تذكر في قوات الدفاع الجوي، بالرغم من حجم الهجوم الجوي المعادي الكبير، والجدير ذكره أن الطائرات المعادية كانت تغير على المرابض التي تم تركها سابقاً في ليل 5 - 6/10/1973م. 
اليوم الثالث 8/10/1973م:
تابع العدو الجوي توجيه ضرباته إلى المطارات ومراكز الرادار في عمق البلاد، بقوام المجموعات وحاول جاهداً في الجبهة إيقاف تقدم قواتنا، بينما تابع الدفاع الجوي بالتعاون مع الطيران الصديق، التصدي للطيران المعادي المغير، وتأمين سلامة طيران دعم القوات، خاصة على اتجاه الفرقة الأولى، وكذلك تأمين حوامات نقل الإمدادات لمناطق الإنزال في جبل الشيخ وتل الفرس...
بلغ عدد طلعات الطيران المعادي في هذا اليوم 200 طلعة طائرة، وتم تدمير 23 طائرة بوسائط الدفاع الجوي و22 طائرة بالطيران المقاتل الصديق، وبذلك بلغت خسائر العدو 22% من طيرانه المهاجم، أي بزيادة في معدل فعالية التصدي. وارتفعت المعنويات. 
اليوم الرابع 9/10/1973م:
تابع العدو وبقوام المجموعات شن غاراته على أهداف انتقائية في عمق البلاد، كان أبرزها الغارة على مبنى القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة، ومبنى قيادة القوى الجوية والدفاع الجوي في مدينة دمشق، وبقوام 6 طائرات فانتوم، ولكن تصدي المقاتلات السورية والدفاع الجوي لها أدى إلى إسقاط 4 منها، وعدم تمكنها من تنفيذ مهامها، كما أدى إلى إفراغ حمولاتها لتسقط على مبانٍ سكنية مدنية وتدمرها، وتوقع عدداً من الشهداء والجرحى المدنيين، وفي الجبهة حاول العدو وبشكل محموم مهاجمة قواتنا مرات عديدة. 
خلال هذا اليوم استمر الدفاع الجوي بالتعاون مع الطيران المقاتل الصديق، بتغطية أهداف البلاد في العمق وفي الجبهة بتأمين تغطية القوات وتأمين طيران الدعم، وكذلك تأمين الإنزال الجوي في منطقة واسط وكفر نفاخ...
كانت خسائر العدو في نهاية هذا اليوم تدمير 24 طائرة بوسائط الدفاع الجوي، و5 طائرات بالطيران المقاتل الصديق. 
اليوم الخامس 10/10/1973م:
بدأ العدو الجوي في هذا اليوم مهاجمة الأهداف المدنية الحيوية، كمطار دمشق الدولي ومطار حلب ومرفأ اللاذقية وكذلك مصفاة البترول ومحطة توليد الكهرباء في حمص، في محاولة منه للتأثير على قدرة الدولة ومنع وصول الإمدادات من الاتحاد السوفييتي آنذاك، بالإضافة لمتابعة مهاجمة المطارات ومراكز الرادار ومرابض الدفاع الجوي، بينما تركزت أعمال الطيران المعادي في الجبهة على التصدي لطيراننا المقاتل/ القاذف، تابع الدفاع الجوي تنفيذ مهامه، وتمكن في هذا اليوم من إسقاط 25 طائرة معادية، بينما أسقط الطيران المقاتل 18 طائرة معادية وبدا أن العدو بدأ يفقد أعصابه وتوازنه. 
اليوم السادس 11/10/1973م:
استجمع العدو أنفاسه وقواه، وشن أعنف الغارات على المطارات الصديقة والأهداف الحيوية ومرابض الدفاع الجوي، وعلى القوات الخاصة في القطاع الشمالي من الجبهة، وبدا واضحاً أنه يركز جهوده الرئيسية على الجبهة السورية، فبلغ عدد طلعاته الجوية خلال هذا اليوم 878 طلعة طائرة، كان أكثرها موجهاً ضد القوات ووسائط الدفاع الجوي التي تغطيها. 
خاضت قوات الدفاع الجوي معارك ضارية معه، وتميزت في هذا اليوم قطعات الصواريخ التي تغطي القوات، حيث قامت بدورها بتركيز جهودها على اتجاه الغارات الأساسية، ونفذت أعمال المناورة الواسعة، وتصدت بكفاءة للعدو الجوي رغم وجود التشويش الكثيف والتأثير الناري الأرضي الذي ألحق بها خسائر فادحة، ولتبيان كثافة الغارات نذكر أن كتيبة واحدة كفادرات في القطاع الشمالي من الجبهة وفي تل شمس بالتحديد، تمكنت من تدمير 11 طائرة معادية خلال 20 دقيقة فقط. 
كانت نتائج الأعمال في هذا اليوم تدمير 76 طائرة معادية، أسقطت بوسائط الدفاع الجوي، و3 طائرات معادية أسقطت بالطيران المقاتل الصديق، وكان هذا أعلى معدل تدمير يومي للطائرات المعادية خلال الحرب ويوماً مشهوداً للدفاع الجوي. 
اليوم السابع 12/10/1973م:
شملت أعمال العدو الجوي، توجيه غارات عدة ومكثفة على أغراض البلاد، وتركزت على دعم قواته البرية، التي بدأت بشن هجوم معاكس في القطاع الشمالي من الجبهة السورية. 
تميزت أعمال هذا اليوم بالتعاون الناجح والمثمر بين القوى الجوية، ففي حين كانت طائراتنا المقاتلة القاذفة تهاجم أرتال العدو المتقدمة، كانت المقاتلات الصديقة وقوات الدفاع الجوي تؤمن التغطية الناجحة للقوات إضافة إلى تدمير طيران العدو الذي يحاول تقديم الدعم لقواته أو مهاجمة مرابض الدفاع الجوي أو منع طيراننا من تنفيذ مهامه كانت حصيلة هذا اليوم تدمير 30 طائرة معادية بوسائط الدفاع الجوي و4 طائرات معادية بالاشتباك الجوي.
اليوم الثامن 13/10/1973م:
تابع العدو الجوي أعماله كما في اليوم السابق ولكن بانخفاض ملحوظ لعدد طلعاته الجوية بينما تابعت قوات دفاعنا الجوي تنفيذ مهامها. وكان أبرزها على اتجاه الجبهة، حيث تمكنت في نهاية اليوم من تدمير 14 طائرة معادية. 
الأيام من التاسع وحتى الثامن عشر 14/10/1973م وحتى 23/10/1973م:
عاود العدو الجوي تنفيذ غارات محدودة، على بعض المطارات وبعض المنشآت النفطية والمدنية على الساحل السوري وسد الرستن ومستودعات قاره، وبعض مرابض الدفاع الجوي والجسور وغيرها، وكذلك أعمال محدودة في منطقة الجبهة، وأصبح من الواضح عجزه عن القيام بأعمال حاسمة، وفشله في تحقيق السيطرة الجوية. 
ولم تشهد هذه الأيام معارك جوية منفذة من قبل وسائط الدفاع الجوي ذات شأن، واقتصرت أعمال التصدي على الطيران المقاتل على شكل ملاقاة واشتباكات جوية محدودة.
وخلال العشرة أيام المشار إليها أسقطت قوات الدفاع الجوي 11 طائرة، وأسقط الطيران المقاتل 42 طائرة مقاتلة.

 

النتائــج:
 

  • بلغ حجم الطلعات الجوية المعادية خلال 18 يوماً من الحرب حوالي 8000 طلعة وبمعدل يومي حوالي 470 طلعة طائرة.
  • بلغت خسائره 250 طائرة دمرت بوسائط الدفاع الجوي و109 طائرات بقوى الطيران الصديق أي ما مجموعه 359 طائرة وهذا يساوي تقريباً 73% من قوة العدو الجوية الضاربة، ويعني ذلك تحطيمه في الجو تماماً وبتر «الذراع الطويلة». 
  • كان للدفاع الجوي أكثر من 50% من نسبة التدمير للطيران المعادي، باستهلاك وسطي للصواريخ بلغ 1,5 - 2 صاروخ لكل طائرة مسقطة، وهي نسبة ممتازة لأن جميع الحسابات النظرية تؤكد أن كل طائرة تحتاج إلى 2 - 3 صواريخ، لكي تسقط ونحن في جيشنا تجاوزنا هذا النسبة. 
  • كانت خسائرنا لا تذكر في المعدات بالنسبة لحجم الضربات التي وجهت إليها، واقتصرت على تدمير كتيبة صواريخ واحدة وبعض الأعتدة في كتائب أخرى، وعدد محدود من المدافع والعربات، بينما استشهد 150 مقاتلاً ملبين واجب الوطن والشرف العسكري، وجرح حوالي 200 مقاتل. 
  • نال ستة من قادة قطعات الصواريخ وسام بطل الجمهورية وكثيرون أوسمة حربية رفيعة. 
  • غيرت حرب تشرين كثيراً من مفاهيم الصراع المسلح، وخاصة في مجال الاستخدام القتالي للقوى الجوية والدفاع الجوي، وأدت إلى ظهور نظريات جديدة وتقنيات جديدة آخذة في التطور، وباتساع في الطيران والدفاع الجوي. 
  • سجل الدفاع الجوي السوري في التاريخ العسكري أشرف وأنصع الصفحات.

الصراع في البحر

خاضت القوى البحرية في الجمهورية العربية السورية لأول مرة في تاريخها الحديث معارك ضارية في حرب تشرين التحريرية بدأت في اليوم الأول لبداية هذه الحرب وانتهت في اليوم الذي انتهت فيه الحرب بين العرب وإسرائيل. 
هذه الأعمال القتالية التي دارت في البحر وعلى الساحل جديرة بالاهتمام والدراسة، لأن طبيعة الصراع المسلح في البحر وعلى الساحل لها خصائصها المختلفة كل الاختلاف عن الصراع المسلح في البر والجو، وأهم هذه الخصائص: 
1ـ سعة مسرح العمليات البحري. 
2ـ طبيعة مسرح العمليات البحري (الوسط، الأنواء، الأعماق، إلخ...) 
3ـ استخدام المناورة على نطاق واسع. 
4ـ أهمية الأهداف الساحلية من الناحية الاستراتيجية وارتباطها بمسرح العمليات البحري الواسع. 
وإذا علمنا أن البحرية السورية خاضت جميع معاركها ضد عدو متفوق في العتاد من الناحيتين الكمية والنوعية، وفي زمان ومكان كان العدو يختارهما، فإننا ندرك أهمية الدور المشرف الذي قامت به البحرية السورية في الدفاع عن مياهنا الإقليمية. 
لقد قاتل رجال البحر بشرف ورجولة ولم يمكنوا العدو الإسرائيلي من تلويث شواطئ بلادنا. وفيما يلي تفاصيل المعارك الأربع التي جرت بين القوات البحرية السورية وقوات البحرية الإسرائيلية، وهي خير دليل على بطولات هؤلاء البحارة: 
المعركة البحرية الأولى:
الزمان: ليلة 6- 7 تشرين الأول عام 1973. 
المكان: منطقة البحر المتوسط الواقعة بين جزيرة قبرص غرباً، ورأس البسيط إلى بانياس على الساحل العربي السوري شرقاً.

القوات المشتركة في هذه المعركة

التبيان زورق طوربيد زورق صواريخ كاسحة ألغام وحدة غير معروفة وحدة غير معروفة طائرات عمودية سفن مساعدة مدفعية ساحلية
القوات الصديقة 1 3 1         4 سرايا
القوات المعادية   4 - 6 10 2 - 3 6 - 8 2    

سير المعركة:
في الساعة 21,00 من يوم 6 تشرين الأول 1973، كانت الوحدات البحرية في مواقع انتشارها في الموانئ والمراسي، وكانت الزوارق والسفن المخصصة لأعمال المرور والدورية قد أخذت مكانها على خطوط الدورية، إلا زورقاً واحداً كان عليه أن يقوم بالتواجد على خط المرور بيروت - رأس جريكو، غير أنه لم ينجح في اتخاذ موقعه لعطل طارئ في أجهزة الاتصال. كانت معلومات الاستطلاع تشير إلى أن وحدات بحرية معادية تبحر نحو الشمال دون أن يكون هناك أي تحديد لحجم هذه القوات ونوعها، وما هي وجهتها الحقيقية والأعمال القتالية التي ستنفذها. 
انطلاقاً من هذه الحقائق وبعد حساب الزمن المتوقع لوصول هذه الوحدات إلى السواحل السورية، أعطيت الأوامر لقيادة زوارق الطوربيد والصواريخ بوضع الوحدات في درجة الاستعداد القتالي رقم واحد والخروج إلى البحر إلى نقاط التجمع الأكثر ملاءمة لخوض الأعمال القتالية. أبحرت المجموعة الصاروخية المتمركزة في الموانئ الشمالية (اللاذقية وميناء البيضاء الحربي) باتجاه طرطوس، وعندما كانت هذه المجموعة في الموقع جنوب غرب اللاذقية مسافة 5ـ6 أميال أعلن قائد زورق الطوربيد الذي يقوم بالدورية على خط المرور رأس البسيط - رأس أندريا، عن اشتباكه بثلاثة زوارق معادية بالمدفعية. واستمر في إعلان الموقف حتى فُقد الاتصال به، عندها أعلن مركز القيادة الرئيسي للقوى البحرية عن وجود وحدات بحرية معادية والاشتباك مع هذه الوحدات المعادية بزورق الدورية على خط البسيط - رأس أندريا، وأبلغ ذلك جميع الوحدات البحرية وصدر الأمر إلى كاسحة الألغام الموجودة غربي اللاذقية بالانسحاب باتجاه الشاطئ لتكون تحت حماية المدفعية الساحلية وبعيدة عن مسرح الاشتباكات البحرية القادمة بين الزوارق السورية ووحدات العدو البحرية المقتربة. 
وفي الوقت ذاته، أعلنت مجموعة زوارق الصواريخ بقيادة المقدم البحري قاسم بيضون عن اكتشاف مجموعة أهداف باتجاه 275 مسافة 27 ميلاً من اللاذقية ومجموعة أهداف جنوب غربي اللاذقية، على مسافة 18 ميلاً. وكان واضحاً كل الوضوح أن مجموعة الأهداف الأولى هي نفسها التي كانت قد اشتبكت بزورق الدورية.
صدرت الأوامر من مركز القيادة الرئيسي إلى المجموعة الضاربة (مجموعة زوارق الصواريخ) بتدمير مجموعة الأهداف المكتشفة على مسافة 27 ميلاً اتجاه 275. قامت المجموعة الضاربة بتوجيه ضربة صاروخية على مجموعة الأهداف المعادية، ونفذت هذه الضربة بكل ثقة وتصميم. غير أن أحد صواريخ الزورق الرباعية لم ينطلق في أثناء المسير على خط سير القتال. فعزم قائد المجموعة وقائد الزورق على أن يصبا صواريخهما كلها على وحدات العدو فأعادوا الكرة وأطلقا الصواريخ رغم معرفته بما في ذلك من خطر كبير على انسحابها لاقتراب المسافة بينها وبين العدو. وقد أعلن قائد المجموعة بكل ثقة وتأكيد عن أن نتيجة الضربة التي وجهت قد دمرت خمسة أهداف بحرية معادية رصدت إصاباتها على شاشة الرادار. 
وأخذت تظهر بعد ذلك مجموعات الأهداف البحرية المعادية على شاشات الرادارات الساحلية حيث رصدت مجموعة أهداف سريعة مكونة من ثلاثة أهداف على مسافة 18 ميلاً شمال غربي اللاذقية، ومجموعة أخرى مكونة من عشرة أهداف يسير كل هدفين منها، أحدهما قرب الآخر. وكانت هذه المجموعة بطيئة الحركة، والمجموعتان تسيران باتجاه ميناء اللاذقية. وأعلن في الوقت ذاته عن وجود ثلاث طائرات عمودية فوق مربض المدفعية الساحلية قرب قرية الشامية شمال اللاذقية، كما أعلن عن وجود أربع طائرات عمودية فوق منطقة جبلة. وأفادت المشاهدات البصرية أن صواريخ تطلق باتجاه منطقة وجود الكاسحة. 
بدأت المدفعية الساحلية اشتباكها بالأهداف المعادية المتقدمة نحو ميناء اللاذقية بينما كانت هذه الأهداف تدخل المدى الأقصى للمدفعية الساحلية. وعند وصولها إلى مسافة9 - 10 أميال من الميناء، وتحت ضغط رمايات المدفعية الساحلية التي كانت كفاءتها في العمل عالية ومردودها ممتازاً، غيرت خط سيرها الجنوبي الشرقي واستمرت المدفعية بقصف الأهداف البحرية المعادية المتقدمة. انقسمت هذه الأهداف إلى مجموعتين، إحداهما مكونة من 6 أهداف سريعة خط سيرها باتجاه الجنوب الشرقي متحاشية رمايات مدفعيتنا الساحلية. وقد رصدت في المنطقة رمايات صواريخ معادية واشتباك بالمدفعية الخفيفة بين زوارقنا وزوارق العدو جنوب غربي جبلة وعلى مقربة من الساحل، وأثناء ذلك قطع الاتصال بمجموعة الزوارق الصاروخية. 
في الساعة 00,40، بدأت الوحدات البحرية المعادية بالانسحاب من مسرح العمليات البحري. ثم رُصد عدد من الطائرات العمودية المعادية تعمل في منطقة الضربة التي قامت بها الزوارق الصديقة لمدة تزيد على الساعة بعد انسحاب الوحدات البحرية. كما رصدت وحدة بحرية كبيرة في المنطقة نفسها إلى جانب وحدة بحرية أخرى على مسافة 40 ميلاً شمال غربي اللاذقية. 
الاستنتاج: 
من تشكيل وحدات العدو البحرية والجوية وتقدير الموقف يمكننا أن نستنتج ما يلي: 
1ـ أشرك العدو في هذه العملية 18-20 قطعة بحرية ومن 6- 8 طائرات عمودية. كان تقديرنا أن العدو يستهدف أحد الغرضين التاليين:
 اقتحام ميناء اللاذقية وتدمير الوحدات البحرية الموجودة فيه وتدمير المنشآت وتعطيل المرفأ لفترة زمنية ثم الانسحاب.
 القيام بإنزال بحري في جنوب اللاذقية، وهو الاحتمال الأضعف، لاسيما أن القوات التي يمكن أن يحملها العدو على السفن والزوارق التي رصدت على مسرح العمليات لا تتيح له القيام بمثل هذا العمل. 
2ـ إن قيام العدو بهذه العملية وإشراك هذا العدد من القطع البحرية في اليوم الأول لبدء الأعمال القتالية دليل واضح على أنه قد حضَّر لهذه العملية قبل زمن لا يقل عن 48 ساعة في أي حالٍ من الأحوال. 
3ـ استخدام العدو الطائرات العمودية على نطاق واسع لأغراض متعددة منها الاستطلاع، ومعرفة أماكن الوحدات البحرية الصديقة وكشفها، وإشغال القيادة البحرية السورية في أماكن بعيدة عن مسرح العمليات، إلخ...
4ـ فقد العدو بعض وحداته. وهو أمر رصدته وأثبتته الوحدات البحرية الصديقة التي نفذت الضربة، كما رصدت البحرية الصديقة أثناء انسحاب العدو أن محطته اللاسلكية الرئيسية تنادي خمس وحدات بحرية من وحداته، وتسأل الوحدات الأخرى التي اشتركت في المعركة عنها، إلا أنه لم يردها أي جواب من الوحدات الخمس المذكورة، وأجابت بقية الوحدات البحرية المعادية في آن واحد بأنها لا تعرف شيئاً عنها، كما التقط على الشاطئ السوري رداءا إنقاذ لبحارين إسرائيليين عليهما دماء. 
5ـ سواء كان العدو سينفذ الاحتمال (أ) أو الاحتمال (ب)، فمما لا شك فيه أن مفاجأته بضربة صاروخية قوية من وحدات البحرية بعد أقل من 30 دقيقة من تماسه بها وهي تقوم بالمرور، ومن اتجاه غير متوقع، قد جعله في وضع حرج كل الحرج. كما أن نيران المدفعية الساحلية التي أسرعت بصب قذائفها على تشكيلاته بعنف وغزارة أثرت تأثيراً كبيراً على قراره، لاسيما أن دقة النيران وغزارتها كانتا تزدادان كلما اقترب العدو من الشواطئ. 
إن هذه المعركة البحرية الصغيرة بحجمها، كانت كبيرة بنتائجها. فعلى الصعيد العسكري، لم يحقق العدو أهدافه العسكرية من هذه العملية على الرغم من اشتراك العدد الكبير من وحداته البحرية بها. كما أن القوات البحرية استطاعت في هذه المعركة أن تعرف الكثير عن تكتيك العدو وتشكيلاته وطريقة تنفيذه للأعمال القتالية، وعلى ضوء هذه المعركة غيرت أسلوبها في القتال معه. أما على الصعيد المدني، فقد كان ارتياح المواطنين واطمئنانهم، واضحين عندما شاهدوا وسمعوا صواريخ بحريتنا ومدفعيتها تصب الحمم على الأعداء وتدمر وحداته المعتدية. 
المعركة البحرية الثانية:
الزمان: ليلة 10-11 تشرين الأول عام 1973. 
المكان: على طول الساحل العربي السوري وعمقاً حتى 30 ميلاً.

القوات المشتركة في هذه المعركة

التبيان زورق طوربيد زورق صواريخ غواصة حوامة  سفن  وحدة غير معروفة (مد/سا) مدفعية ساحلية
القوات الصديقة   5         2 كتيبة
القوات المعادية 3 - 6 4 1 - 2  4 - 6 1 4  

سير المعركة:
في نهاية ذلك اليوم كان العدو قد قام بقصف القاعدة البحرية (الميناء البيضاء) وأعلن أنه دمر قيادة القوى البحرية. كانت الرادارات تعمل وفق خطتها، والمراقبة البصرية تأخذ دورها والآذان تصغي وتحصي كل صوت وكل حركة على الشاطئ وفي البحر. وفي الساعة 23,00 من يوم 10 تشرين ظهرت على شاشات الرادار أهداف صغيرة في مناطق متفرقة على الساحل، لاسيما أمام مينائي اللاذقية وطرطوس.كما أعلن عن وجود وحدات بحرية صغيرة رُصدت بالسمع وبالبصر إلى شمال اللاذقية وجنوبي طرطوس. كان اكتشاف هذه الوحدات يشير إلى اقتراب نشوب المعركة. لذلك رفعت درجة استعداد جميع الوحدات لخوض الأعمال القتالية. وفي الساعة 00,50 يوم 11/10، أعلن عن اكتشاف مجموعة أهداف مكونة من 6 أهداف جنوب غربي اللاذقية على مسافة 25 ميلاً. وفي الساعة 1,05 - 1,10 من التاريخ ذاته، ظهرت في آن واحد مجموعات الأهداف التالية، نعددها من الشمال إلى الجنوب: 
• مجموعة 3- 4 أهداف إلى شمال غربي اللاذقية، على مسافة 20 ميلاً. 
• مجموعة 3 أهداف إلى غربي أم الطيور (طرنجة)، على مسافة 17 ميلاً. 
• مجموعة 3- 4 أهداف إلى غربي رأس ابن هانئ على مسافة 12 ميلاً. 
• مجموعة 4- 6 أهداف إلى شمال غربي طرطوس، على مسافة 17 ميلاً. 
أعلن عن اكتشاف طائرات عمودية فوق منطقة اللاذقية وطرطوس وبانياس، كما أعلن عن سماع تفجيرات في البحر في مواقع متفرقة. 
وبعد قيام قيادة البحرية بتحليل الموقف أصدرت الأوامر لمجموعة زوارق الصواريخ المتمركزة في اللاذقية (زورق صاروخي رباعي + زورقي صواريخ ثنائية) لتوجيه ضربات بالصواريخ إلى المجموعات المعادية المتقدمة نحو ميناء اللاذقية من الشمال والشمال الغربي، كما أصدرت الأوامر في آن واحد إلى سرب زوارق صواريخ (2 زورق صواريخ ثنائي) يتمركز في طرطوس لتوجيه ضربة بالصواريخ إلى مجموعة الأهداف المتقدمة نحو بانياس. 
في الساعة 1,35 قامت مجموعة زوارق الصواريخ في منطقة اللاذقية بتوجيه ضربات صاروخية إلى الأهداف المحددة وأعلنت عن إصابة 3 أهداف رصدت بالرادار. وبدأت بالانسحاب نحو الميناء بعد أن نفذت ضرباتها الصاروخية. وبينما كانت الزوارق المعادية توجه صواريخها إليها، اشتبكت مدفعية الزوارق بالصواريخ المعادية وهي تتفاداها بالمناورة الماهرة. وقد تمكنت، بفضل يقظة القادة ومهارتهم، على الرغم من كثافة نيران مدفعية العدو وصواريخه، من دخول الميناء سالمة. ونخص بالذكر، الزورق الصاروخي الرباعي الذي تعرض لأربعة صواريخ معادية، تمكن من إسقاط اثنين منها بمدفعيته وتفادي اثنين آخرين بالمناورة الماهرة. وفي أثناء انسحاب زوارقنا إلى ميناء اللاذقية بدأت مدفعيتنا الساحلية بفتح نيرانها على وحدات العدو البحرية التي حاولت تدمير زوارقنا، وتدمير خزانات البترول في اللاذقية وتدمير ميناء اللاذقية في محاولات يائسة استمرت قرابة الساعة الكاملة، انكفأت بعدها مرتدة تحت ضغط نيران المدفعية الساحلية بدون أن تتمكن من تحقيق أي من أهدافها: (خزانات البترول - المرفأ -الوحدات البحرية التي وجهت ضربتها). وعلى الرغم من استماتة العدو في تحقيق أهداف هجومه، تمكنت نيران مدفعيتنا الساحلية من رده على أعقابه، واعترف العدو بإصابة أربعة من أهدافه. شاركت المدفعية المضادة للطائرات في الرمي على الأهداف البحرية المعادية ضمن مديات الرمي وكان ذلك مجدياً وفعالاً، إذ تحقق التعاون بوضوح. 
وبينما كانت هذه المعركة تدور في القطاع الشمالي كانت تدور معركة مشابهة لها في القطاع الجنوبي (بانياس وطرطوس)، فقد قام سرب زوارق الصواريخ بتوجيه ضربة إلى الأهداف المتقدمة نحو طرطوس وأعلن عن تحقيق إصابة هدف معاد رصدت على شاشة الرادار وانسحب سرب الزوارق السورية باتجاه طرطوس حيث لحقت به زوارق معادية محاولة تدميره. إلا أن المدفعية الساحلية فتحت نيرانها على الزوارق المعادية وأجبرتها على التراجع. وحاولت مجموعة مكونة من زورقين معاديين قصف خزانات البترول في طرطوس إلا أن المدفعية الساحلية فتحت نيرانها على هذه الزوارق وأجبرتها على الانسحاب بعد إخفاقها في تحقيق مهمتها. 
وفي الساعة 1,45، أعلن أن خزانات البترول في بانياس قد قصفت من البحر وأن النيران بدأت تشتعل فيها، كما أن وحدة بحرية عادت وقصفت الخزانات مرة ثانية في الساعة 2,30. 
بدأت الوحدات المعادية بالانسحاب من مسرح العمليات البحري في الساعة 2,40 من صباح يوم 11/10/1973، وانتهى الرصد الراداري لجميع الأهداف على مسرح العمليات في الساعة 3,40 من اليوم ذاته. 
استنتاج:
تعد هذه المعركة أكبر معركة بحرية خاضتها القوى البحرية العربية السورية ودامت فترة زمنية كبيرة إذا ما قيست بالمعارك البحرية الأخرى. 
وبالمقابل أشرك العدو 14- 16 وحدة بحرية وفقاً للرصد الراداري و4- 6 طائرات عمودية. وقد اتبع العدو الإسرائيلي الأسلوب التالي: 
1ـ استطلع العدو مسرح العمليات بطائراته العمودية، كما أنزل زوارق صغيرة، (يحتمل أنها من الغواصات)، لاستطلاع رسو الوحدات البحرية السورية ومناطقها. 
2ـ شكل العدو قواته على أساس مجموعات ضاربة صغيرة تتكون كل مجموعة من 3-6 وحدات.
3ـ ظهرت المجموعات الحقيقية في وقت واحد على شاشات الرادارات وفي أضعف مناطق الكشف الراداري. 
4ـ استخدم العدو الطائرات العمودية كأهداف بحرية للتشويش، كما استخدمها لتصحيح رمي المدفعية، ولعمليات الإنقاذ وكذلك للدلالة على مكان وحداتنا البحرية. 
5ـ استهدف العدو المنشآت البترولية في اللاذقية وبانياس وطرطوس، كما استهدف مينائي اللاذقية وطرطوس، وقد خطط لتنفيذ هذه الأعمال بتوقيت واحد. 
6ـ استخدم العدو التشويش الراداري واستخدم الأهداف الكاذبة كما استخدم المحادثات الخداعية. 
7ـ أخفق العدو في تحقيق أي من أهدافه واستطاع فقط إصابة خزانات البترول في بانياس. 
8ـ تم اكتشاف مجموعات العدو في الوقت المناسب. 
9ـ تمكنت وحداتنا البحرية من توجيه ضرباتها إلى وحدات العدو البحرية وإصابتها، وتمكنت من الانسحاب إلى قواعدها مستفيدة من دروس المعركة الأولى ومبرهنة على حنكة كبيرة. 
10ـ استطاعت المدفعية الساحلية تغطية انسحاب زوارق الصواريخ الصديقة وأربكت العدو عند مهاجمتها الزوارق السورية. 
11ـ تمكنت المدفعية الساحلية من إحباط مهمة زوارق العدو عند اقترابه من الشاطئ، ولم تمكنه من اتخاذ مواقع إطلاق، حتى أن بعض رشقات المدفعية التي وجهها إلى خزانات البترول أتت بعيدة جداً عن الخزانات، بينما استطاع أن يحقق نجاحاً في ضرب خزانات البترول في بانياس على الرغم من توجيه ضربة بالصواريخ إلى وحدات الحماية المتقدمة نحو بانياس. 
وبصورة عامة يمكننا القول أن إغارة العدو التي حُشد لها عدد كبير من الوحدات البحرية، ساعدتها في ذلك الغواصات والحوامات، لم تتمكن إلا من تنفيذ جزء بسيط من المهام المسندة إليها. وكان ذلك بسبب يقظة وحدات البحرية وجاهزيتها العالية بزوارقها ومدفعيتها الساحلية. وقد أثبتت هذه المعركة دور المدفعية الساحلية الهام في صد الإغارات البحرية عن الساحل. 
المعركة البحرية الثالثة:
الزمان: ليلة 11- 12 تشرين الأول عام 1973. 
المكان: الساحل العربي السوري من الحدود اللبنانية جنوباً وحتى طرطوس شمالاً وعمقاً في البحر حتى 20 ميلاً.

القوات المشتركة في هذه المعركة

التبيان غواصة زورق صواريخ وحدة كجهولة سريعة مدفعية ساحلية قارب صغير طائرة عمودية
القوات الصديقة   2   4 سرايا    
القوات المعادية 2   7 - 8
5 - 6 3 - 3

سير المعركة:
بدأت ترد إلى مركز القيادة الرئيسي للبحرية معلومات تنبئ عن اكتشاف أهداف بحرية صغيرة شوهدت بالنظر وبالرادارات، كما أعلن عن اكتشاف طائرات عمودية فوق مناطق اللاذقية وبانياس وطرطوس. واستمر ورود المعلومات عن الأهداف بدون انقطاع مدة خمس ساعات أسندت خلالها قيادة البحرية مهمة البحث عن الزوارق الصغيرة المعلن عنها إلى زوارق الطوربيد في الاتجاهات الخطرة ولكنها لم تعثر على أي منها. 
في الساعة 23,30، أُعلن عن رصد مجموعتي أهداف بحرية، الأولى إلى غربي الخرابة ـ الحدود على مسافة 10 أميال، والثانية إلى غربي الحميدية على مسافة 17 ميلاً. كما رصد هدف واحد غربي العريضة على مسافة 7 أميال. بعد تحليل الموقف وحساب خطوط السير والسرعات، صدرت الأوامر لسرب زوارق صواريخ ثنائي في طرطوس لتنفيذ ضربة بالصواريخ على مجموعة الأهداف جنوب غرب طرطوس، كما صدرت الأوامر لكتيبة المدفعية الساحلية السورية بفتح النار على الأهداف المعادية المقتربة من الساحل عند دخولها المدى المجدي للسلاح. وفي الساعة 00,05 من تاريخ 12/10، نفذ سرب زوارق الصواريخ رشقة ثنائية وأعلم عن تدمير هدف رصد بالرادار. ولم يتمكن الزورق الثاني من إطلاق صواريخه لغزارة النيران والصواريخ التي وجهت إلى السرب بعد إطلاق الصواريخ من زورق القيادة. واستطاع الزورق الذي نفذ الإطلاق الإفلات من صواريخ العدو بالمناورة والمدفعية وكذلك الزورق الثاني. غير أنه ارتطم في أثناء مناورته بحاجز الأمواج فتعطل، وفي آن واحد، بدأت المدفعية الساحلية بفتح النار على الأهداف البحرية المعادية لتحمي انسحاب الزوارق الصديقة ولتدمر الزوارق المعادية المقتربة من الساحل، إذ أن إحدى الوحدات المعادية حاولت رمي خزانات البترول في طرطوس، فأرغمتها نيران المدفعية الساحلية على الانسحاب بعد أن أخفقت في تنفيذ مهمتها. واستمرت معركة المدفعية مع الوحدات البحرية المعادية زهاء 45 دقيقة، انسحب بعدها العدو. 
الاستنتاج: 
حاول العدو إشغال القيادة فترة زمنية طويلة قبل أن يبدأ أعماله القتالية ليجعل الجو متوتراً على المستويات كلها. 
كان هدف العدو تدمير خزانات البترول في طرطوس وكذلك ميناء طرطوس والوحدات البحرية التي تخرج إلى البحر لملاقاته. 
استخدم العدو وحدات سريعة للأعمال القتالية وكذلك استخدم التشويش الراداري والأهداف الخداعية. 
أثبتت المدفعية الساحلية للمرة الثانية قدرتها على مقارعة الأهداف البحرية المعادية، وحالت دون تنفيذ مهامها. 
وهكذا لم يستطع العدو تحقيق أي هدف من أهدافه على الرغم من إصراره ومحاولاته المتكررة التي انتهت بالإخفاق. 
المعركة البحرية الرابعة:
الزمان: ليلة 23- 24 تشرين الأول عام 1973. 
المكان: الساحل العربي السوري من اللاذقية شمالاً وحتى طرطوس جنوباً.

القوات المشتركة في هذه المعركة

التبيان سفينة قيادة وحدة بحرية غير معروغة زورق صواريخ طائرة عمودية مدفعية ساحلية
القوات الصديقة     3    
القوات المعادية 1 8 - 9   4 - 6  

سير المعركة:
بدأت هذه المعركة عندما أعلن في الساعة 23,00 من يوم 23 تشرين الأول من عام 1973 على مسافة 20 ميلاً شمال غربي طرطوس، وفي آن واحد عن اكتشاف مجموعة أهداف بحرية مكونة من 8 أهداف بحرية على مسافة 24 ميلاً غربي بانياس، ومتجهة إليها. ثم انفصل منها زورقان اتجها إلى اللاذقية بخط سير شمال شرقي، كما أُعلن عن وجود طائرات عمودية فوق مناطق طرطوس - بانياس - اللاذقية. عمم هذا الموقف، وأصدرت قيادة البحرية الأوامر إلى زورق صواريخ رباعي في طرطوس لتوجيه ضربة بالصواريخ إلى الأهداف المتقدمة نحو بانياس، وكذلك أصدرت الأمر إلى زورق صواريخ ثنائي من اللاذقية بتوجيه ضربة بالصواريخ إلى الأهداف المتقدمة إلى جنوبي اللاذقية، وأصدرت الأوامر إلى زورق صواريخ ثنائي آخر من اللاذقية بضرب الأهداف المعادية، المشاهدة أمام بانياس، عند انسحابها ووصولها إلى منطقة تتيح الإطلاق عليها. 
في الساعة 23,45، رُصدت وحدات بحرية تقوم بالرمي على خزانات النفط في بانياس وطائرات عمودية تضيء جو المعركة وتقوم أيضاً بقصف الخزانات. 
نفذت زوارق الصواريخ رشقتين ثنائيتين في وقت واحد من الجنوب (طرطوس)، ومن الشمال (اللاذقية) ثم تلتهما رشقة ثنائية من الجنوب على الأهداف المحددة. أُعلن بعدها عن إصابة وحدتين رصدتا بالرادار وشوهدتا بالعين المجردة من نقاط المراقبة على الساحل وعادت الوحدات السورية إلى قواعدها سالمة. 
في الساعة 1,35 من يوم 24/10/1973 بدأت وحدات العدو البحرية التي قصفت خزانات النفط في بانياس، بالانسحاب وتجمعت في النقطة 12 ميلاً غربي بانياس واتجهت غرباً. 
استمر وجود الطائرات العمودية على طول الساحل، من طرطوس إلى اللاذقية، حتى الساعة 2,15 واشتبكت المدفعية المضادة وكذلك الصواريخ المضادة المتمركزة في اللاذقية بهذه الطائرات. وفي الساعة 1,15، فتحت النار على طائرة عمودية مرت فوق محطة الرادار في الرويسة. 
الاستنتاج: 
1ـ دلت المعركة على ما يشوب الوحدات البحرية المعادية المهاجمة من ضعف واضح، على الرغم من كثافة الطائرات العمودية التي ساعدتها في تنفيذ مهمتها. 
2ـ لم تنجح الوحدات البحرية في قصف خزانات النفط في بانياس لأن الوحدات التي نجحت في الاقتراب من الشاطئ غير مزودة بمدفعية ذات أعيرة كبيرة. 
3ـ إن الطائرة العمودية هي التي استطاعت قصف الخزانات بعد أن أضاءت جو المعركة، لأن الوحدات البحرية المعادية أخفقت في تنفيذ مهمتها. 
4ـ من المحتمل، والحالة هذه أن لا يكون الهدف الرئيسي للوحدات البحرية المعادية قصف خزانات البترول، وإنما جر الوحدات البحرية السورية لمعركة مع الطائرات العمودية والزوارق. 
5ـ إن مفاجأة العدو برشقات الصواريخ التي أصابت منه مقتلاً، والتي وجهت إليه من اتجاهين مختلفين (اللاذقية - طرطوس) في آن واحد، حالت دون تنفيذ مهمته. 
6ـ لم تصب الخزانات إلا من الاتجاهين الشمالي والجنوبي. وهذا ما يثبت أن الاتجاه البحري لم يستطع الرمي على الخزانات. وقد جاء في تقرير اللجنة المشكلة لهذه الغاية أنها لم تعثر على أي آثار لرمايات المدفعية من اتجاه البحر. 
7ـ استطاعت وحداتنا البحرية الاشتباك بوحدات البحرية من اتجاهين مختلفين في آن واحد. وهذا ما أربك قيادته، لاسيما أن تركيز العدو كان باتجاه اللاذقية، بينما كانت الضربة الرئيسية من اتجاه طرطوس. 
8ـ أكثر العدو من استخدام الشهب في هذه المعركة ولم يستخدم الأهداف الرادارية الخداعية، بل وحدات صغيرة أمام موانئ طرطوس والبيضاء، واستخدم أيضاً التشويش الراداري مما حال دون تنفيذ المهمة الملقاة على عاتق الزورق الصاروخي الثنائي. 
9ـ اتصفت هذه المعركة بهدوء أعصاب القادة المنفذين وتصميمهم الكامل على تدمير العدو والانتقام لأرواح الشهداء الأبطال. 
10ـ رغم إصابة قائد أحد الزوارق وسبعة من عناصره أثناء دخوله الميناء فقد تمكن بأعصاب حديدية من الدخول بسلام منقذاً زورقه وطاقمه بعد أن أدى واجبه. 
استنتاجات عامة حول الصراع في البحر: 
تميزت أعمال العدو القتالية في البحر بالنقاط التالية: 
1ـ تفوق العدو بوسائط الاستطلاع المباشر التي كانت تعمل أثناء المعركة دون انقطاع (طائرات عمودية - غواصات - إلخ..). 
2ـ مقدرة وحداته البحرية على البقاء في البحر فترات زمنية كبيرة دليل على تمتعها بإمكانات فنية جيدة. 
3ـ استخدام العدو لوحداته البحرية بوتيرة عالية جداً وهذا ما يحمل على الاستنتاج أنه يملك طواقم إضافية أو أن لديه وحدات أكثر عدداً مما هو معروف، لاسيما أن حالة البحر في كثير من أيام المعارك لم تكن تلائم عمل هذه الوحدات. ولم تكن تستطيع، هي وأطقمها من الخروج مرة ثانية أو في اليوم التالي مباشرة (أعطال، إنهاك الطاقم.. إلخ..). 
4ـ استخدام العدو في معظم معاركه، لاسيما التي أشرك فيها عدداً كبيراً من الوحدات، قيادة متحركة تتمركز بعيداً عن مسرح العمليات، كما استخدم التشويش الراداري واللاسلكي والأهداف الخداعية استخداماً واسعاً. 
5ـ خطط العدو أعماله القتالية لكي تتم على أساس قيامه بها في ساعات الظلام ليضمن نجاح التشويش الراداري واللاسلكي والأهداف الخداعية. وغطى هذه الناحية باستخدام الحوامات والزوارق المطاطية والغواصات واستغنى في آن واحد عن استخدام الطيران على الاتجاه البحري في أثناء أعماله القتالية في البحر (تغطية ودعم.. إلخ..). 
6ـ استخدام العدو الطائرات العمودية في جميع معاركه البحرية، استخداماً واسعاً ولأغراض متعددة، وكان لاستخدام هذه الطائرات العمودية أثر كبير بل وأساسي في نجاحه في بعض المهام حتى أنه عهد إليها بتنفيذ إحدى المهام الموكلة للوحدات البحرية، عندما فشلت هذه في تنفيذها: (ضرب خزانات البترول في بانياس تاريخ 24/10/1973). 
على الرغم من هذه المميزات التي أتاحها العدو لوحداته، يمكن القول أنها لم تستطع تنفيذ المهام المحددة لها على الساحل العربي السوري. ولو استعرضنا المعارك البحرية، التي دارت والأعمال القتالية التي لم يرد ذكرها في المعارك البحرية، لرأينا أن مهام العدو تركزت على ما يلي: 
1ـ تدمير خزانات البترول في كل من ميناء اللاذقية وميناء بانياس وميناء طرطوس. 
2ـ تدمير كل من ميناء اللاذقية وميناء طرطوس بمحاولات متعددة، استخدم فيها أسلحة مختلفة (ضفادع بشرية، صواريخ، مدفعية، وحدات اقتحام). 
3ـ تدمير الوحدات البحرية سواء في عرض البحر أو في قواعدها. 
4ـ منع وحداتنا من الوصول إلى سواحله وخطوط مواصلاته البحرية. 
5ـ عرقلة خطوط مواصلاتنا البحرية (منع الإمداد بالذخيرة والأسلحة القادمة من الاتجاه البحري). 
ولقد استطاعت وحدات القوى البحرية السورية إحباط أعمال العدو في تنفيذ هذه المهام كما تميزت أعمالها القتالية بما يلي: 
1ـ السيطرة الكاملة على جميع الوحدات الموجودة في البحر وعلى الساحل. 
2ـ قيادة جميع الأعمال القتالية قيادة مركزية. 
3ـ تغيير الخطط وفقاً لمعطيات الموقف. 
4ـ الجاهزية القتالية العالية وإرادة القتال في كل المستويات. 
5ـ استخدام المدفعية الساحلية ودورها البارز في منع العدو من تحقيق مهامه على الساحل. 
6ـ تعاون الأسلحة البحرية في تنفيذ مهمة واحدة (مدفعية ساحلية، وحدات الدفاع المحلي، زوارق طوربيد، زوارق صواريخ... إلخ..). 
ولكن العدو استطاع بأعماله التعرضية منع وحداتنا من الوصول إلى سواحله وخطوط مواصلاته البحرية، وذلك بإشغال وحداتنا البحرية بشكل متواصل. كما استطاع الوصول إلى هدف ساحلي واحد (خزانات البترول في بانياس) بعد إغارة مركزة على جميع الأهداف الحيوية الساحلية، ولقد حاول إعادة ضربها ثانية يوم 24/10/1973، فأخفق ونال عقابه.

 حرب الاستنزاف

 

 في صباح يوم 7/3/1974 اتصل الرئيس الأسد بالعماد مصطفى طلاس وقال له: «عليك أن تبدأ منذ صباح غد بشن حرب استنزاف ضد العدو الإسرائيلي الذي يدنس ترابنا الوطني باحتلاله البغيض، فلو قتلت في كل يوم جندياً إسرائيلياً واحداً أو دمرت دبابة إسرائيلية واحدة أو أي هدف عسكري آخر، أو حررت متراً واحداً من الأرض فنحن المنتصرون على المدى الطويل». 
فقال العماد مصطفى لسيادة الرئيس: «سوف أُنفذ هذا الأمر بكل تأكيد، ولكن واجب الأمانة يقتضي أن أُعلمك بأن القيادة العليا للقوات المسلحة هي ضد هذا الموضوع..» فأجاب الرئيس: «أنا أعرف ذلك»، وعندما أخبره العماد طلاس بأن الإخوان في مصر والذين خاضوا معنا حرب تشرين المجيدة قد وقعوا على اتفاق فصل القوات الثاني بتاريخ 18 كانون الثاني 1974 وسوف يصبح ساري المفعول بعد واحد وخمسين يوماً فقال: «أعرف هذا بالطبع ومع ذلك عليك أن تشن حرب الاستنزاف».
استدعى العماد طلاس اللواء «عبد الرزاق الدردري» رئيس شعبة العمليات وأعطاه توجيهاً عملياتياً بأن يدمر للعدو الإسرائيلي موقعاً في القطاع الجنوبي من الجبهة ولا بأس أيضاً من ضرب الدوريات المعادية التي تسير على الحد الأمامي في ذلك القطاع. 
وبينما كانت الأعمال القتالية المحدودة تدور في القطاع الجنوبي من الجبهة، استدعى العماد طلاس اللواء «دردري» إلى مكتبه وطلب إليه أن يتحرش بقوات العدو في القطاع الشمالي من الجبهة. وعندما استدعاه في اليوم الثالث وطلب إليه أن يتابع التوجيه نفسه في القطاع الأوسط. كان رده: «معنى ذلك أننا نقوم بحرب استنزاف؟» فأجابه العماد: «نعم».. 
كانت الاشتباكات تبدأ في المكان المحدد من قبل شعبة العمليات، ولكن كانت العدوى تنتقل إلى بقية القطاعات فتشتعل الجبهة من جبل الشيخ إلى وادي اليرموك. وعلى الرغم من التضحيات التي كان يقدمها رجالنا الشجعان فقد كانت المحصلة النهائية لجانبنا. ذلك أن التفوق العددي لصالحنا ومقابل كل إسرائيلي واحد في فلسطين المحتلة يوجد أكثر من ثلاثة سوريين، ومن هذا المنطلق إذا استشهد من عندنا ثلاثة وقُتل إسرائيلي واحد فنحن الغالبون، واستمرت المعارك والاشتباكات بيننا وبين العدو الإسرائيلي اثنين وثمانين يوماً تمكنا بعدها من تقليص مساحة الجيب المحتل إلى حوالي مائة كم مربع وكان قبل ذلك أكبر بعدة مرات(7).
دور سلاح المدفعية في حرب الاستنزاف: 
لعب سلاح المدفعية دوراً أساسياً في حرب الاستنزاف ذلك أن التأثير الناري على الأهداف المعادية يبقى له الفضل الأول في تدمير قوى العدو الحيّة ووسائط قتاله الثابتة والمتحركة، ولعل أهم عملية قام بها سلاح المدفعية والصواريخ هي عملية 27 نيسان 1974.
في الساعة السادسة من مساء يوم 27 / 4 / 1974 هتف العماد مصطفى إلى اللواء «رفيق قواص» قائد سلاح المدفعية والصواريخ وطلب إليه أن يُنفذ رشقة نارية على مرصد جبل الشيخ الذي يحتله العدو الإسرائيلي بوساطة الصواريخ أرض - أرض وأن تكون الضربة موجعة. 
وبعد دقائق سُمعت أصوات القذائف الصاروخية وهي تنهمر على المرصد، وهتف مدير إدارة الاستطلاع بأن فرع التنصت اللاسلكي على مكالمات العدو أعلمه أن خسائر الإسرائيليين كبيرة في المرصد، فقد تصادف توقيت الرشقة مع تبديل عناصر المرصد وتم تدمير طائرة «هيلوكبتر» وعلى متنها 28 ضابطاً وجندياً كما قُتل وجُرح آخرون كانوا قريبين من مكان الانفجار، وبسبب هذا النجاح الكبير أطلقنا على يوم السابع والعشرين من نيسان (عيد المدفعية) الذي نحتفل به في كل عام. 
ومما يبرهن على عنف المعارك في المبارزة بالنيران بين القوات السورية وبين العدو الإسرائيلي، هو أن السوريين استهلكوا في شهر نيسان من العام 1974 إحدى وأربعين ألفاً وأربع وستين طلقة مدفعية وصاروخ م/د و هاون، أي أن معدل الاستهلاك اليومي 1368 طلقة وهي نسبة كبيرة جداً. 
تقرير رئيس شعبة العمليات عن الأعمال القتالية للقوات المسلحة خلال شهر آذار من عام 1974: 
تطورت الاشتباكات مع العدو، خلال شهر آذار من عام 1974 من منع التجهيز الهندسي للعدو إلى منع الاستطلاعات والزيارات التي كان يقوم بها إلى الحد الأمامي إلى منع تحركاته مهما كان نوعها، وأخيراً إلى ضربه أينما وجد ثم إلى ضرب تجمعاته ومواقع قواته ومنشآته في العمق ثم إلى حرب استنزاف متواصلة وغير معلنة. 
• يلاقي العدو مصاعب كبيرة وخطيرة من تواجده في الجيب المحتل: فهو من جهة مضطر لحشد كمية كبيرة من القوى والوسائط، ومن جهة أخرى يتعرض فيه للنيران المركزة والمتواصلة تقريباً، ثم إن مواقع قواته وأسلحته مكشوفة ومعرضة لأكثر من سلاح ومن أكثر من اتجاه. 
• تفتقر المجابهة للفرقة الخامسة مشاة للمعلومات عن العدو بسبب طبيعة الأرض من جهة، وبالتجاء العدو إلى مواقع مجهزة ومحصنة سابقاً، من جهة أخرى، إضافة إلى المصاعب المتعددة للمراقبة الأرضية وعدم إمكانية الرصد المدفعي نظراً لوجود سلسلة المرتفعات التي تحجب عمق دفاع العدو، والتي تأتي بعد نقاط استناد الحد الأمامي مباشرة.
• ألحقت القوات السورية بالعدو خسائر مادية وبشرية متعددة ولم يتمكن من تنفيذ التجهيز الهندسي الذي يُعتبر ضرورة هامة له، كما أن القصف المدفعي المستمر لأرتال العدو قيد تحركاته ومنعه من المناورة وهذا ما أجبره على حشد كمية أكبر من القوى والوسائط لتعزيز نقاط استناده التي أصبحت تتطلب منه الاكتفاء الذاتي.
• استخدمت القوات السورية خلال هذا الشهر ولأول مرة رمي التركيز بالدبابات، حيث حقق نتائج جيدة، كما أن تعدد الاشتباكات بالمدفعية وكثافتها أكسبت عناصر المدفعية وقيادتها مهارات خاصة في سرعة التدخل وفتح النيران وإحكامها حتى عند تعرضها للقصف المعادي. 
• ألحقت القوات السورية بالعدو تأثيرات نفسية ومعنوي كبيرة ومتعددة وأجبرته على الالتجاء بشكل مستمر كما أخضعته لمبادأة القوات السورية وأربكته ووضعته في حالة استعداد وتأهب دائمين. 
• أذكت الاشتباكات الروح القتالية والتعرضية لدى القوات السورية وأضعفت روح العدو المعنوية.
• أكسبت الأعمال القتالية للقوى والتشكيلات خبرات ثمينة في فن إنهاك العدو من خلال الاشتباكات مع السيطرة على النيران. 
• لم تنجح الإغارات التي نفذتها القوات السورية لأنها لم تقتحم أهدافها بالإضافة إلى أن العدو على الحد الأمامي كان دائماً في أعلى درجات الاستعداد مما أفقد هذه الأعمال عامل المفاجأة.
• كانت خسائر القوات السورية طفيفة بسبب إتقانها لاستخدام الأرض.

 

تقرير رئيس شعبة العمليات عن الأعمال القتالية للقوات السورية خلال شهر نيسان 1974: 
تطورت الأعمال القتالية بين القوات السورية وقوات العدو خلال شعر نيسان من عام 1974 وفق خط بياني متصاعد، وخاضت هذه القوات أعمالاً قتالية أساسها القصف المدفعي بفصائل وسرايا المدفعية واستثنائياً بكتائب المدفعية، وتمكنت القوات خلال هذا الشهر من إنهاك العدو وتقييد تحركاته ومنعه كلياً من التجهيز الهندسي، بالإضافة إلى إلحاق خسائر متعددة بقواته. 
 

  • مع بداية شهر نيسان نشب الصراع الواسع بين القوات السورية وقوات العدو من أجل السيطرة على شارة حرمون 2814، ففي يوم 1 / 4 /1974 قصفت مدفعيتنا حوامة للعدو حطت في الشارة ودفعت القيادة السورية دورية للشارة فوجدتها غير محتلة.
  • خططت القيادة اتجاهاً عملياتياً للعمل باتجاه الشارة وخصصت كتيبة مغاوير تتحشد في قلعة جندل بالإضافة إلى كتيبة مظليين موجودة بعرنة وعززتها بوسائط الدفاع م/ط والوسائط الأخرى، كما أمنت لها رواحل للنقل والإمداد، واستنفرت القيادة جهود إدارة المهندسين لفتح طريق إلى الشارة ليسهل بعدها التعزيز بالأسلحة الثقيلة، بالإضافة إلى تمديد خط رباعي للاتصال الهاتفي، ولكن سوء الأحوال الجوية أعاق كثيراً تنفيذ هذه الأعمال.
  • وفي يوم 6 / 4 / 1974 احتلت «سرية مغاوير» من الوحدات الخاصة شارة الحرمون في ظروف جوية سيئة للغاية، وفي يوم 7 / 4 / 1974 احتل العدو الشارة في الوقت الذي كانت فيه قوات الوحدات الخاصة خارج الشارة وفي منطقة عرنة بسبب صعوبة الحياة في الشارة، وبتاريخ 11 / 4 / 1974 وصلت دورية من الوحدات الخاصة شارة الحرمون واحتلتها، وبتاريخ 12 / 4/ 1974 احتلت «سرية مغاوير» من الوحدات الخاصة بقوام 39 عنصراً الشارة، وبتاريخ 14 / 4 / 1974 تمكنت قوات العدو من مهاجمة الإشارة منطلقة من الأراضي اللبنانية واحتلتها، وبعد ذلك التاريخ استمرت المدفعية السورية بتنفيذ رمايات الإزعاج والتأثير والقصف المساحي على شارة الحرمون والسفوح المقابلة ومواقع العقبات ملحقة بالعدو خسائر كبيرة زاد من تأثيرها مراصدنا التي فتحت في الأراضي اللبنانية ومنعت العدو من التجهيز الهندسي للشارة. 
  • استخدم العدو هذا الشهر قواته الجوية ضد القوات السورية في جبل الشيخ وذلك اعتباراً من تاريخ 13 / 4 / 1974 مستفيداً من الميزات التي تحققها له سلسلة جبل الشيخ والأراضي اللبنانية، ولم تحقق قواذف الصواريخ م/ط (ستريلا) نتائج إيجابية فعالة نظراً للارتفاع العالي الذي يقصف منه طيران العدو ولضعف تدريب الطواقم على هذا السلاح. 
  • اعتباراً من أول ضوء من يوم 21 / 4 / 1974 تسلم «اللواء 68 مش» ومعه «كتيبة مغاوير» + وسائط تعزيز مختلفة ، مهمة الدفاع عن مواقعنا في جبل الشيخ وظل صامداً أمام ضربات مدفعية العدو وقصفه الجوي. 
  • أعطت كمائن وسائط الدفاع الجوي في الأراضي اللبنانية نتائج حسنة، كما أن غارات القوات الجوية الناجحة على شارة حرمون وبعض الأهداف الأخرى أذكت الحماسة، ورفعت الروح المعنوية والقتالية لدى المقاتلين، وحققت معارك القوات الجوية على طيران العدو نتائج ممتازة في إكساب القوات الروح المعنوية العالية. 
  • استخدم طيران العدو خلال هذا الشهر قنابل «الشرايك» وقنابل «الهوبو» ذات التوجيه التلفزيوني وكان تأثيرها محدوداً بالرغم من الخسائر التي تكبدتها محطة رادار تل معدر بسبب ضعف التجهيز الهندسي. 
  • كما حاول العدو خلال هذا الشهر ضرب أهداف لها صفة دعائية مثل طريق دمشق - درعا كأسلوب ضاغط لكي يصرف القوات السورية أو يقيدها عن أسلوب الاستنزاف أو لإيهامها أنه بإمكانه أن يقوم بأعمال مؤثرة، هذا وكانت تصرفات العدو خلال هذا الشهر عبارة عن ردود فعل مدروسة لنشاط القوات السورية. 
  • كان تأثير رمايات المدفعية على المواقع الدفاعية المعادية ضعيفاً وكان تأثيرها أكبر على الأهداف المتحركة. 
  • بذلت القوات خلال هذا الشهر جهوداً كبيرة، وأظهر أفرادها شجاعة وصموداً كبيرين أمام ضربات مدفعية العدو وقصفه الجوي، حيث تلقت المواقع من مدفعية العدو بمعدل ألف قنبلة يومياً، وفقاً لتصريح مسؤول إسرائيلي. 
  •  أظهرت القوات، وعلى الأخص وحدات المدفعية، إصراراً على إنهاك العدو واستنزافه والتعامل معه، كما أكسب القصف المدفعي المتبادل التشكيلات خبرات ثمينة في فن إنهاك العدو من خلال الاشتباكات مع السيطرة على النيران. 
  • أظهرت القيادات الميدانية مبادهة واسعة في سرعة فتح النار على تحركات العدو مما ألحق به المزيد من الخسائر. 
  • لم يُلحق العدو بالقوات السورية سوى خسائر قليلة بنتيجة الجاهزية القتالية الجيدة للتشكيلات.
  • يدل على التأثير المرعب لنيران المدفعية بعض ردود فعل العدو العنيفة. سواء بالطيران أو بقصف القرى الآهلة بالسكان.
  • أعطت المراصد التي دُفعت إلى الأراضي اللبنانية نتائج ملموسة في إحكام رمايات المدفعية وجعلها مؤثرة.
  • أعطى القصف المدفعي المساحي مردوداً جيداً وخاصة على مواقع العدو في جبل الشيخ, لأن العدو حفر جميع المنطقة الواصلة يمين ويسار الطريق من موقع العقبات حتى الشارة حيث كان ينقل قواته من منطقة لأخرى لتفادي القصف, كما أن رمايات الإزعاج و رمايات التأثير المستمرة على مواقع العدو في جبل الشيخ منعته من التجهيز الهندسي.
  •  لم يتمكن العدو من مفاجأة القوات السورية خلال هذا الشهر.
  •  كما تمكنت نقطة حراسة إنذارية من القوات السورية من إحباط إغارة صامتة للعدو كانت تهدف إلى أسر عناصر النقطة وألحقت بها خسائر في الأفراد.
  • ازدادت دقة رمايات المدفعية نسبياً بسبب معرفة أهداف العدو التي كشفها الاستطلاع الناري ونتائج الرصد والاستطلاعات المختلفة.
  • أعطت وحدات الصوت المدفعي نتائج جيدة في قطع الأهداف.
  • أعطى نقل الرمي المدفعي ( بمدفع- فصيلة) بالاتجاه والعمق في حال عدم كشف مصادر نيران العدو, نتائج في إسكات مدفعية العدو التي تقلع عن الرمي وتنتقل مجرد وقوع أول طلقة على مربضها.
  • كانت بعض القواعد الصاروخية (كوادرات) تنتقل إلى مرابضها التبادلية عند وقوع أي قنبلة عليها بينما يستمر العدو بقصف المكان السابق طوال اليوم.

 زيارة القائد العام للجيش والقوات المسلحة الرئيس حافظ الأسد إلى الجبهة أثناء حرب الاستنزاف

 

 

بعد أن تم توقيع اتفاقية فصل القوات مع الطرف الأمريكي، هتف الرئيس الأسد إلى العماد مصطفى في صباح يوم التاسع والعشرين من أيار قائلاً:«معنا يومان حتى تكون الاتفاقية سارية المفعول، فما رأيك في أن نودع الإسرائيليين بضربة أخيرة». فأجابه العماد:«نحن مستعدون لتوجيه الضربة في أي قطاع». فقال الرئيس:« لا تأمر بإطلاق النار حتى نصل أنا وأنت إلى القطاع الأوسط من الجبهة». 
وفي الساعة التاسعة صباحاً وصل الرئيس الأسد إلى مبنى القيادة العامة وانطلق منه والعماد طلاس نحو المنطقة المحددة يرافقهما قائد الفرقة حتى وصلا إلى الحد الأمامي للجبهة، وترك الرئيس الأسد ومرافقوه سيارتهم وركبوا جميعاً في عربة «لاندروفر» حتى لا يكتشفهم العدو ومشوا على الأقدام حوالي مائتي متر حتى وصلوا إلى الخندق الأول للقوات. وبعد أن ألقى الرئيس الأسد تحية الصباح على الضباط والجنود قال للعماد مصطفى:«ما هو الهدف الذي يجب أن يدمره رجالنا؟» فأشار العماد مصطفى إلى موقع رشاش عيار 12.7 يتمركز بعيداً بحوالي ألف ومائتي متر . فقال :«دمروا الهدف على بركة الله». فأشار العماد مصطفى إلى رامي القاذف الصاروخي المضاد للدبابات (مالوتكا) أن يتولى المهمة. فسأل الرئيس الأسد:« أليس من الأفضل أن يدمر بطلقة مدفع؟» فأجابه العماد:«نعم و لكننا نريد أن نفاجئهم بالضربة فهم لايتوقعون أبداً أن نضرب الرشاش بطلقة صاروخ». 
وانطلق الصاروخ باتجاه الهدف، وبعد أربع ثوان كان رامي الرشاش الإسرائيلي يرتفع في الفضاء ثلاثة أمتار ويخر صريعاً على الأرض. وتولت الدبابات المتخندقة الرمي على الأهداف المشاهدة بينما تولت مدفعية الفرقة ضرب التعزيزات القادمة من الجولان . وبقي الرئيس الأسد وصحبه ساعة كاملة في الموقع، وكان الرئيس مسروراً للغاية وهو يشاهد الجنود الإسرائيليين يتساقطون.

 

 مفاوضات فصل القوات

كان لابد لسورية وإسرائيل من إجراء المفاوضات عبر الجانب الأمريكي لإجراء ترتيب فصل القوات المتحاربة في الجولان بعد أن أثقلت حرب الاستنزاف كاهل الجيش الإسرائيلي. كما أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت راغبة بالقيام بدور الوسيط بين الأطراف لتحسين صورتها أمام الرأي العام العربي بعامة والسوري بخاصة آخذة بعين الاعتبار الموقف الدولي لأن الاتحاد السوفييتي كان يلعب دوراً بارزاً على الساحة الدولية يُحسب له ألف حساب. 
كان الفريق المفاوض السوري برئاسة الرئيس حافظ الأسد، وعضوية عبد الحليم خدام وزير الخارجية، والدكتور أديب الداوودي المستشار في القصر الجمهوري،والدكتور اسكندر لوقا الذي كان يسجل المباحثات بطريقة الاختزال، والمترجم أسعد كامل الياس، ورئيس الجانب الأمريكي هنري كيسنجر وزير الخارجية وريتشارد مورفي وتوم سكوتس القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية بدمشق، والمترجم عيسى الصباغ وهو فلسطيني الأصل ومن مواليد حيفا. 
وفي الساعة السادسة مساء بدأ الاجتماع الأول بين الطرفين واستمر ثماني ساعات. كانت هذه المداولات مقدمة لمفاوضات فصل القوات. ويشير العماد طلاس في مذكراته «أريد أن أعترف للقارئ بما كان يدور في خلدي ذلك الحين، فلقد خشيت على الرئيس الأسد من مناورات هنري كيسنجر وأساليبه الثعلبية ومكره اليهودي ثم القاعدة التي ينطلق منها وهي كونه وزيراً للخارجية في دولة عظمى، ثم تلك الهالة الإعلامية التي واكبت تعيينه مستشاراً للأمن القومي ثم وزيراً للخارجية. وفي هذا المجال يجب ألا ننسى أبداً أن الصهيونية العالمية كانت وراء كل ذلك. ولكن الله كان مع الرئيس الأسد فقد أدار المفاوضات بشكل لامثيل له إطلاقاً، وكان يضع كيسنجر في زاوية من الصعب الخروج منها إلا بشق الأنفس. 
وكان الرئيس الأسد قد طلب من العماد مصطفى أن يحضر بالتعاون مع هيئة الأركان العامة ثلاث خرائط عسكرية مقياسها 50000/1 محمّل عليها ثلاثة احتمالات لفصل القوات السورية ـ الإسرائيلية في هضبة الجولان بشكل يضمن السيطرة الكاملة على الأرض، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية النقاط والهيئات الحاكمة ومحاور التحرك. وقدمت الخرائط المطلوبة محملاً عليها الحلول المقترحة. 
وبعد مناقشات بين الطرفين أظهر فيها الرئيس الأسد حنكة كبيرة، تم التوقيع على مذكرة اتفاق فصل القوات الذي يقضي بانسحاب العدو الإسرائيلي إلى خلف مدينة القنيطرة (تل أبو الندى) وأن ينسحب كذلك من مثلث الرفيد في القطاع الجنوبي. وحاول كيسنجر أن يتضمن نص الاتفاق على مادة فحواها أن تقوم القوات السورية بمنع العمل الفدائي الفلسطيني انطلاقاً من الجولان. وكان موقف الرئيس الأسد حاسماً في هذا المجال وقال لكيسنجر:«إننا لا يمكن أبداً أن نضع قواتنا لحماية الأمن الإسرائيلي».

 

 دخول الأرض المحررة وتبادل الأسرى

تم دخول الأراضي المحررة على أربع مراحل اعتباراً من 6 حزيران وحتى 26 منه في العام 1974، ولايمكن للإنسان أن يصف مشاعر الفرح والابتهاج لدى الجنود الذين دخلوا المنطقة المحررة، وفي اليوم المحدد اصطحب وزير الدفاع رئيس هيئة الأركان، ورئيس شعبة العمليات، ومدير إدارة الاستطلاع، ومدير إدارة المهندسين، وقائد الفرقة السابعة، وتوجهوا جميعاً نحو سعسع حيث تابعوا ميدانياَ العملية. 
تمت عمليات تبادل الأسرى على مرحلتين الأولى في 6 / 6 / 1974 والثانية في 10 / 6 / 1974. وفي الموعد المحدد زحفت إلى مطار دمشق الدولي جماهير غفيرة من المواطنين لاستقبال مقاتلينا الأبطال الذين وقعوا في الأسر خلال حرب تشرين التحريرية. وقد حطت في الساعة العاشرة والدقيقة الأربعين طائرتان تابعتان للصليب الأحمر الدولي تقلان الرجال العائدين بعد أن أمضوا في سجون العدو «الإسرائيلي» قرابة ثمانية أشهر حيث استقبلتهم الجماهير بالهتاف والتصفيق. وشارك في الاستقبال الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي، ورئيس مجلس الوزراء والسيد وزير الإعلام. كما كان في استقبالهم بعض الرفاق أعضاء القيادتين القومية والقطرية، وكبار ضباط الجيش والقوات المسلحة، وعدد من السادة السفراء والضباط العرب، وذوي الأبطال الأسرى الذين كانوا يهبطون من الطائرتين وهم يلوحون بأيديهم للجماهير المحتشدة التي كانت تهتف بحياة قائد الوطن وتحيي أبطاله وقيادته. 
كان أول النازلين من سلم الطائرة المقدم الطيار عدنان الحاج خضر الذي قام بنقل مجموعة الإنزال الجوي خلال الحرب في الجولان على كفر نفاخ. وعند وصوله أرض المطار سجد شكراً لله وقبّل تراب الوطن الغالي. وقال ذوو الأبطال العائدين: إن فرحتنا بهم عظيمة خاصة وأنهم يعودون إلى أرض الوطن،بعد أن أدوا الواجب المقدس في معارك تشرين التحريرية. كما عبروا عن شكرهم للرئيس القائد حافظ الأسد وكل المسؤولين في القطر الذين أحاطوا ذوي الأبطال العائدين بكل عناية في غيابهم، كما استقبلوهم بكل حفاوة تليق بالمقاتلين الشجعان. 
وفي 10 / 6 / 1974 تم استقبال الدفعة الثانية من الأسرى العائدين من سجون العدو الإسرائيلي. فقد تم الاتفاق على هذا الموعد بين الطرفين، وذهب وزير الدفاع مع مجموعة من الضباط وفي مقدمتهم اللواء يوسف شكور رئيس هيئة الأركان ومدير إدارة الاستطلاع اللواء جبرائيل بيطار
 والعقيد وجيه طيارة ضابط الارتباط مع هيئة الأمم المتحدة.. بالإضافة إلى مئات المواطنين من أهالي الأسرى وأقاربهم.
أما بالنسبة للأسرى «الإسرائيليين» فقد كان عددهم 56 ضابطاً وجندياً، وبينهم اثنا عشر طياراً لقد تمت معاملتهم المعاملة التي تفرضها الأخلاق العربية والأعراف العسكرية والدولية، ووفرت لهم العناية الصحية اللازمة وهذا ما شاهده الجميع بأعينهم. بينما كانت حالة الأسرى السوريين لاتتفق والمبادئ الإنسانية أو معاهدة جنيف.

الأسد يرفع العلم السوري في مدينة القنيطرة

 

 

 

كان موعد السادس والعشرين من حزيران 1974 هو اليوم الذي قرر فيه الأسد رفع علم سورية فوق سماء مدينة القنيطرة. وتم الإعلام عن ذلك بكافة الوسائط وتداعى عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال من كل مكان في سورية لحضور هذا المشهد التاريخي. 
لم تبق محافظة أو مدينة أو قرية إلا وشاركت في هذا العرس الوطني وعبرت نقطة المراقبة أكثر من أربعة آلاف سيارة وباص وتاكسي عدا القادمين سيراً على الأقدام من القرى والمزارع القريبة من المدينة المحررة. وهتف الرئيس الأسد إلى العماد طلاس قائلاً:«سأمر بك في مبنى القيادة العامة لكي نذهب سوية إلى القنيطرة». ووصلا المدينة حوالي الساعة الرابعة عشرة وسط زغاريد النساء وهتافات الرجال بحياة بطل تشرين. 
وبعد استعراض حرس الشرف توجه الجميع إلى سارية العلم، وتناول الرئيس علم الجمهورية العربية السورية وقبله وبدأ برفعه إلى أعلى السارية في الساعة 14.40. وأدلى الرئيس الأسد لمندوب الإذاعة والتلفزيون بالكلمة التاريخية التالية: 
«إن الكلمات جميعها عاجزة عن وصف هذه المناسبة. أستطيع أن أقول باختصار إن إرادة الشعب لايمكن أن تقهر وإن الوطن فوق كل شيء. وعلينا أن نستمر في الإعداد لطرد العدو من كل شبر من أراضينا العربية المحتلة. وأنا متفائل بالنصر ومتفائل بالمستقبل وواثق من أن أية قوة على هذه الأرض لن تستطيع أن تمنعنا من استرجاع حقوقنا كاملة. إن هذه الجماهير التي نراها، تملك كل الاستعداد للتضحية وكل الاستعداد للبذل من أجل تحقيق إرادتها في تأكيد حرية جماهيرنا في هذا القطر وفي الوطن العربي. سيبقى شعبنا في هذا القطر نبراساً للأمة العربية، سيبقى رمزاً للتضحية، وستبقى هذه الجماهير أبداً النور الساطع من أجل الحرية، من أجل تحرير الوطن، من أجل كرامة الأمة العربية».
ولابد أن يتساءل القارئ، لماذا بقيت هذه المدينة على حالها على الرغم من التدمير الشديد الذي مارسه «الإسرائيليون» ضدها، وما لم تستطع الجرافات تخريبه، تولى سلاح الهندسة الإسرائيلي نسفه بالمتفجرات، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى الحقد والهمجية العدوانية المغروسة في نفوس الصهاينة، فهم يكرهون حتى الحجارة العربية، وهذا ليس غريباً على عاداتهم وتقاليدهم. 
وفي أول اجتماع للقيادة القطرية عرض الرئيس الأسد موضوع إبقاء القنيطرة على حالتها الراهنة لتكون شاهداً صادقاً على الحقد «الإسرائيلي» سيما وأن ما تبقى من أراضي الجولان لم يحرر بعد وكان سكان البلدة يعيشون من الزراعة وتربية المواشي، فإذا عادوا إلى بيوتهم لن يجدوا أرضاً يفلحونها ولا مواشي يرعونها. وسوف تضطر الدولة لتقديم المساعدات لهم، وكان قرار القيادة الموافقة على الفكرة التي طرحها الرئيس الأسد.

 

 النتائج العامـة لحرب تشـرين التحريريـة

لقد أحدثت حرب تشرين التحريرية آثاراً ونتائج كبيرة للغاية هزت العالم أجمع، من مغربه إلى مشرقه. وأصبحت نظرة المجتمع الدولي إلى العرب بعد الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة، تشرين الأول 1973، تختلف عن نظرته السابقة إليهم، لاسيما تلك التي خلفتها حرب حزيران 1967. وقد عبر عن هذا الواقع الجديد السيد ميشيل جوبير وزير الخارجية الفرنسية، بقوله:«انتهى عصر ألف ليلة وليلة، وعلينا أن نتعامل مع العرب بعد اليوم على أساس جديد». 
ربما نكون في حرب تشرين التحريرية قد خسرنا أرضاً هنا، وربحنا أرضاً هناك، إنما، مهما تكن حصيلة هذه الحرب العربية ـ الإسرائيلية من حيث الربح والخسارة الجغرافيتين، فالقضية ليست كما تريد إسرائيل تصويرها للناس، في محاولة يائسة منها لطمس آثار حرب تشرين التحريرية ونتائجها الإيجابية بالنسبة للأمة العربية. 
القضية الأساسية في حرب تشرين التحريرية هي أن زمام المبادرة قد انتزع من يد العدو الإسرائيلي ولأول مرة، في تاريخ العرب الحديث. فالقرار التاريخي الذي جسده الرئيسان حافظ الأسد وأنور السادات في يوم العاشر من رمضان يعتبر القرار الأكبر والأخطر شأناً لا في تاريخ العرب المعاصر فحسب وإنما في تاريخ العالم المعاصر أيضاً. فالأمة العربية التي مافتئت تتلقى الضربات منذ مطلع القرن العشرين، وعلى وجه التحديد منذ وعد بلفور 2 تشرين الثاني 1917، وحتى أوائل السبعينيات، تنهض اليوم على قدميها، قدم في مرتفعات الجولان وقدم في شبه جزيرة سيناء، لتوجه لأعدائها الصهاينة ضربتين متزامنتين، واحدة على الخد الأيمن والثانية على الخد الأيسر وتنبه الرأي العام العالمي إلى أن العرب هم أصحاب «البيت» الحقيقيون كما قال السيد جوبير وزير الخارجية الفرنسية:«هل تكون محاولة الإنسان أن يعود إلى بيته اعتداءً غير متوقع» وفي ضوء هذه الحقائق، يمكن تقدير النتائج التي أسفرت عنها حرب تشرين التحريرية على النحو التالي: 
تأثيرات الحرب الرابعة على الصعيد العسكري: 
1ـ لعل أول ما يتبدى للعيان في حرب تشرين التحريرية هو قيمة الإنسان العربي الحقيقية، ذلك أن اقتحام حصون العدو، هذا الاقتحام البطولي في الجولان، وعبور جنود مصر البواسل قناة السويس، هذا العبور الرائع، برهنا للعالم أجمع على أن الإنسان وحده هو الذي يصنع التاريخ. وأن أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لايقهر هي «كذبة صهيونية كبرى» . ولعل أفضل ما قيل عن ذلك ما ورد على لسان السيد الفريق حافظ الأسد رئيس الجمهورية في مقابلة صحفية لجريدة الأنوار اللبنانية :« إن الأمثلة على شجاعة جنودنا وتضحياتهم لاعد لها ولا حصر. لقد كان الهدف دائماً ومنذ بداية المعركة هو تدمير أسطورة الجيش الذي لايقهر والقوة التي اعتقدوا أنها فوق مستوى الإنسان العربي مناعة وتجهيزاً وكفاءة قتالية. وقد جاءت حرب تشرين التحريرية لتعيد إسرائيل إلى حجمها الطبيعي على الجبهتين المصرية والسورية». 
2ـ أثبتت حرب تشرين أن الإنسان العربي يحسن استخدام الأسلحة المتطورة وانتهينا إلى الأبد من عقدة «التكنولوجيا» التي حاولت «إسرائيل» بكل أجهزة الإعلام التي تملكها وتوجهها الصهيونية العالمية، غرسها في النفوس. وانساق مع الأسف وراء هذا التيار نفر من أشباه المثقفين العرب يحاولون فلسفة هزيمة حزيران 1967كقضية «تكنولوجيا» بيننا وبين العدو الإسرائيلي. لقد مزق العرب هذا الوهم باستخدامهم صواريخ (سام 6) أرض ـ جو، وصواريخ (ساجر) م/د، وصواريخ (فروغ) أرض ـ أرض، وصواريخ (كومار) بحر ـ بحر، وطائرات الميغ 21(م) وسوخوي 20، والدبابة ت 62 وعربة القتال المدرعة ب م ب الخ... وكل ما في جعبتنا من أسلحة معقدة ومتطورة بالنسبة لغيرها، وذلك في سنين قليلة وبالنسبة لبعض الأسلحة في عدد من الشهور. 
3ـ إن المفاجأة على الصعيد الاستراتيجي، باتخاذ قرار «خوض الحرب» ضد الغزاة الصهاينة الذين يدنسون ترابنا الوطني باحتلالهم البغيض، هي التي زعزعت المؤسسة العسكرية الصهيونية. 
4ـ أما بالنسبة لاقتحام الجولان فإن أبلغ صورة تلك التي قدمها السيد الفريق حافظ الأسد رئيس الجمهورية عندما قال:«تصور جبهة جبلية عرضها سبعون كيلو متراً وعمقها أقل من ذلك بكثير، يحتشد فيها ألفان وخمسمائة دبابة وألوف المدافع وعشرات الألوف من الجنود المجهزين بأحدث الأسلحة وأشدها فتكاً، ابتداءً بالبندقية والرشاش، ومروراً بالقنابل المحرقة والمدمرة، وباصقات اللهب، وانتهاءً بالإضافة إلى مئات الطائرات القاذفة والمقاتلة وطائرات الهيلوكبتر التي كان لها الدور البارز في المعركة. تصور قتالاً شرساً يدور في هذه الجبهة الضيقة ويستمر نهاراً وليلاً طوال أيام، وقد التحم فيه البشر كما التحمت الدروع وسط بركان يتفجر بكل أنواع الحمم، وتتساقط عليه حمم الطائرات، وهي أيضاً من كل نوع، فلا يبقى شبر من الأرض بلا نار وحطام وضحايا، ولافسحة من الفضاء، لاتغطيها طائرة مغيرة أو مجموعة قنابل في طريقها إلى الانفجار. ثم ينكشف ذلك كله عن أرض غُطيت كلها بالحديد والدم. هذه هي معركة الجولان التي خاضها جيش سورية وسجل فيها أروع ما في تاريخ الحروب، قديمها وحديثها من بطولات وتضحيات. لانتعدى الواقع إذا قلنا أنها أشبه بالأساطير». 
5ـ أما القوى الجوية والدفاع الجوي فقد أظهرا بطولة خارقة ومهارة عالية في حرب تشرين التحريرية، في قيادة الطائرات واستخدامها استخداماً فعالاً في أثناء الاشتباكات الجوية، وبرهن رجال الدفاع الجوي على قدرتهم العالية في استخدام أكثر المعدات القتالية تعقيداً. 
6ـ كان للبحرية السورية دور مشرف في حرب تشرين بين العرب واسرائيل، ولايمكن أن يتصور أي إنسان بطولة هؤلاء الرجال إلا عندما يقوم بمقارنة بسيطة بين قواتنا البحرية وقوات العدو البحرية. عند ذلك فقط يقدر المعجزات التي اجترحها رجالنا البحارة والبطولات الفذّة التي فجروها، محبطين كل محاولات العدو للإنزال البحري، ومغرقين أكبر قطعه البحرية، وهم يقاتلون كفريق واحد، سواء بالنسبة لزوارق الصواريخ أو لزوارق الطوربيد أو للمدفعية الساحلية. حتى أن الدبابات المكلفة بحراسة الساحل، ساهمت هي أيضاً بالرمي على الأهداف البحرية المعادية. 
7ـ لقد قام الإمداد السوفييتي للقوات المقاتلة على الجبهتين السورية والمصرية بدور هام في تعويض الخسائر وبالتالي في إعادة الجاهزية القتالية لقواتنا المسلحة، بصنوفها المختلفة، إلى ماكانت عليه عشية حرب تشرين التحريرية. 
8ـ كان لدخول القوات العربية معركة تشرين التحريرية (المغرب، العراق، الأردن، السعودية، الكويت)، ولو كان ذلك بقوات رمزية، أثر بارز في رفع الروح المعنوية لدى قواتنا المسلحة وشعورهم أنهم يقاتلون وزخم الأمة العربية كلها من ورائهم. 
9ـ أخيراً إن أهم نتائج حرب تشرين التحريرية على الصعيد العسكري هي أننا أرسينا قاعدة راسخة تصلح لأن تكون قاعدة للانطلاق إلى ما هو أفضل. وذلك أن الصراع مع العدو الصهيوني لايمكن أن ينتهي وثمة أرض عربية مازال يحتلها، ولهذا فإن ميزان الصراع العربي الإسرائيلي قد سجل ميلاً أكيداً إلى الحق العربي اعتباراً من 6 / 10 / 1973. وإن الزمن أصبح لصالح الأمة العربية وهي السابعة في عدد السكان في العالم، والثانية من حيث مساحة الجغرافيا، والأولى في طاقاتها المادية. ولن تعود أمتنا القهقري ما دام هناك رجال يحاربون دفاعاً عن الشرف ودفاعاً عن الكرامة ودفاعاً عن الأرض ودفاعاً عن كل القيم الإنسانية النبيلة.
تأثيرات حرب تشرين على الصعيد «الإسرائيلي»:
1ـ عاشت «إسرائيل» خلال السنوات الست الماضية 1967 ـ 1973، كقوة مسيطرة على المنطقة، يتدفق عليها سيل من المهاجرين يستوطنون مناطق جديدة واسعة، واعتقدت من الاختبارات التي أجرتها، بقصف المدن والقرى العربية في سورية ومصر ولبنان والأردن، أن ليس هناك قوة تردعها «وأن حدود إسرائيل ستبقى مجمدة خلال الأعوام العشرة المقبلة ولن تنشب حرب» كما قال دايان. «وإن العرب لن يستطيعوا أن يحرروا بوصة واحدة» كما قال آلون. وأطمأنت، بالتجربة، إلى عدم فعالية الضغط الدولي، وفي آن واحد، إلى قدرتها على تجاوزه بعد عملياتها العداونية، مثل الإغارة على مطار بيروت، وإسقاط الطائرة الليبية المدنية، واغتيال بعض قادة المقاومة في بيروت، وعملية أيلول 1972في جنوب لبنان، وقصف المخيمات والقرى في سورية ولبنان والأردن. كما وثقت بإمكاناتها في الضغط على الدول الكبيرة بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية وذلك بدفع الاتحاد السوفييتي إلى السماح بالهجرة اليهودية إلى «إسرائيل». 
واعتقدت إسرائيل ـ مدفوعة بغرورها ـ أن الوقت قد حان لتدخل في عداد «الدول الكبرى» فبدأت تخطط للاكتفاء الذاتي من ناحية الإنتاج الحربي. وجمح بها الخيال أشواطاً أبعد، حينما بدأت تقدم «المعونة الفنية» للعديد من الدول النامية، ولاسيما الإفريقية، متجاهلة أنها هي ذاتها تعيش على المساعدات والتبرعات والتعويضات الأجنبية. وبدأت هذه المعطيات والدعاية الإسرائيلية التي ضخمتها، تتحكم في تصرفات الحكام والأفراد «الإسرائيليين». فتصوروا أنهم تجاوزوا المنطق القائل بأن هناك إرادتين تتصارعان في المنطقة العربية، إلى منطق الإرادة الواحدة، إرادة إسرائيل التي تفرض ما تشاء، وليس أمام خصمها إلا أن يذعن لإرادتها، أو أن يرضى بالهزيمة نصيباً ومصيراً. 
في ظل هذه الأفكار التي سيطرت على عقلية السلطات الإسرائيلية وتصرفاتها واطمئنان المؤسسة العسكرية إلى عدم تجرؤ الجيوش العربية على مهاجمة إسرائيل، نشبت حرب تشرين التحريرية، فكانت المفاجأة الكبرى لإسرائيل» حين حطم الجيش السوري والمصري هذا الاعتقاد الخاطئ في قيامهما بتنفيذ العملية الهجومية «بدر»، في وقت واحد وبتخطيط واحد وبتعاون كامل. 
2ـ بعد توقف إطلاق النار في حرب تشرين التحريرية،حاولت «إسرائيل» الصهيونية، بكل ما استطاعت إليه سبيلاً، طمس نتائج تشرين التحريرية بتقويم نتائج الحرب على أساس عدد الكيلو مترات من الأرض التي حاز عليها كل طرف من الأطراف المتصارعة وفي ضوئها، وعلى أساس الخسائر البشرية والمادية التي مُني بها كل جانب. والحقيقة هي أن محاولتها هذه تستهدف إخفاء بُعد الهزيمة وفداحة السقطة «الإسرائيلية» التي هي انهيار كامل لكل ما اعتقدت إسرائيل أنها وصلت إليه، وخطأ شامل في العديد من النظريات العسكرية التي بنت عليها «إسرائيل» استراتيجيتها. 
3ـ لقد أدى الانتصار السريع الذي حققه «الجيش» الإسرائيلي في حرب حزيران 1967 إلى جمود الفكر العسكري «الإسرائيلي» وضاع، في خضم الإعلام والدعاية والمنافسة السياسية التقويم الدقيق لقوة الأمة العربية.وتجاوز الحدود في تقدير قوته. وكانت المؤسسة العسكرية «الإسرائيلية» قد بنت مذهبها العسكري على أساس استراتيجية الحرب الخاطفة، وتأسيساًعلى ذلك، أولت عناية خاصة لسلاح الطيران والمدرعات والقوى المنقولة جواً لكي تتمكن من حشد القوات على الاتجاه المناسب لتوجه ضربة قوية تقصر أمد القتال أو تحسم الموقف.
وفي حرب تشرين التحريرية، لم تتمكن «إسرائيل» من تطبيق استراتيجيتها، وذلك لأن الجيوش العربية أمسكت بزمام المبادرة، وانحسرت فعالية سلاح الطيران الإسرائيلي بسبب الدفاع الجوي الصاروخي وبطولة الطيار العربي،ولم تنجح دعوة الاحتياطي طبقاً للخطة المرسومة، ويبدو أن القيادة العسكرية «الإسرائيلية» لم تخطط لمواجهة حرب طويلة الأمد. 
4ـ لقد أظهرت حرب تشرين التحريرية «إسرائيل» بحجمها الصحيح، وبأنها دولة غير قادرة على الاستمرار في المنطقة العربية دون دعم الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى سبيل المثال، كان من المفترض أن تقدم الصناعة العسكرية «الإسرائيلية» معظم ما يحتاجه الجيش «الإسرائيلي» في الحرب. ولكن ما أن مضى أسبوع واحد على القتال حتى بدا واضحاً للعيان أن «إسرائيل» تقف على شفا الهاوية، وأن صناعتها الحربية لايمكن أن تلبي متطلبات الحروب المعاصرة، بل لايمكن أن تسد جزءاً من الخسائر التي مُنيت بها في الأيام الأولى من الحرب، ولهذا فقد عرفت «إسرائيل» حجمها الصحيح، وأنها لن تتمكن في المستقبل المنظور من الاعتماد على نفسها. 
5ـ لقد كانت الخسائر التي حاقت «بإسرائيل» أضخم من قدرتها، كبلد صغير، على تحملها، لاسيما وهي قد تعودت في السابق، على خوض الحروب السهلة السريعة التي طالما كانت توصف «بالنزهات العسكرية». ولعل أفضل ما يدل على ذلك تصريح لمدير شعبة القوى البشرية في رئاسة أركان الجيش «الإسرائيلي» (هيرتزل شافيز)، يستخلص منه أن إسرائيل لم تكن مهيأة عملياً ولا نفسياً لمواجهة مثل هذه الخسائر البشرية فلقد كانت المرة الأولى، منذ حرب 1948، التي يؤسر أو يقتل أو يُفقد لها فيها مثل هذا العدد من الجنود. 
ولم يقتصر تأثير حرب تشرين التحريرية المباشر على ذلك، بل امتد إلى الميزان التجاري «الإسرائيلي» حيث بلغ العجز خلال شهر كانون الثاني 1974 (142) مليون دولار، ويأتي هذا العجز ظاهرة، تؤكد استمرار الأزمات التي تعاني منها «إسرائيل» منذ حرب تشرين على مختلف الأصعدة. 
6ـ أما المعضلة «الإسرائيلية» الكبرى التي بلورتها حرب تشرين من النواحي الاستراتيجية والنفسية والعسكرية والاقتصادية، فهي على وجه التحديد تقلصها، من مشروع «الإمبراطورية» الخيالي غير المتلائم مع روح القرن العشرين، إلى حجم «الدويلة» المعزولة التي ترفضها المنطقة المحيطة بها كما يكاد يرفضها العالم بأسره.
ولقد كان تنكر حكام تل أبيب لكل المقررات الصادرة عن مجلس الأمن والتي أدانت تهويد القدس وتبديل وضع المناطق المحتلة، وإنكارهم وجود الشعب الفلسطيني إنكاراً تاماً، ورفضهم المستمر جميع المساعي الرامية إلى إيجاد حل عادل ودائم في المنطقة، هذه المواقف جميعاً هي التي أدت إلى إسباغ هذا الطابع على «إسرائيل» كما أدت، بالتالي، إلى كشف طبيعة النظام والعقلية والتركيب النفسي، في الكيان الصهيوني.
7ـ لاشك في أن حرب تشرين التحريرية قد هزت كل المخططات الصهيونية وقلبت حسابات مؤسستها العسكرية. ولكن من السذاجة أن نعتقد أن «إسرائيل» سترضخ للوضع الراهن وإنها لن تعيد تنظيم صفوفها، فالقيادة «الإسرائيلية» تبحث عن وسائل وأساليب جديدة لسد الثغرات التي أحدثتها حرب تشرين التحريرية. 
وكما اعتبر العرب حرب حزيران 1967 هزيمة في معركة، لذا ينبغي ألا نستبعد اعتبار «إسرائيل» لمأزقها الحالي مجرد هزيمة في معركة، ما عليها إلا أن تستعد لمحو آثارها، مادام جوهر المذهب العسكري الإسرائيلي قد بُني، أساساً، على القوة والعدوان وفرض الإرادة ومد السيطرة. ومن هنا تقع على عاتق الأمة العربية مسؤولية الاستعداد الدائم واليقظة الدائمة، لأنها مهددة بالفناء، إذا لم تجابه التحديات الصهيونية المصيرية القادمة بأساليب تتناسب وحجم الخطر الإسرائيلي الذي مايزال قائماً.
تأثيرات حرب تشرين على الصعيد الفلسطيني:
كان لمعارك تشرين تأثير إيجابي محسوس على مجمل نضال شعب فلسطين داخل الأراضي المحتلة. فقد شهدت الأرض المحتلة انتفاضات عارمة في النضال الوطني ضد الغزاة المحتلين. 
وعلى الرغم من أن هذا النضال قد اتسم بالشجاعة والعناد والتشبث دائماً، إلا أنه بعد حرب تشرين، امتاز، في الواقع، باتساع نطاق النضال الجماهيري بمختلف أشكاله، ومن خلال تنظيماته العلنية والسرية. وعاد العربي في الأرض المحتلة ينظر إلى الاحتلال الإسرائيلي نظرته إلى سلطة زائلة بعد أن كان قد تجاوز مرحلة اليأس التي طالما نظر فيها إلى الاحتلال وكأنه أصبح سلطة شبه دائمة ومستقرة. ولقد أدى الوضع الجديد إلى رفع الروح المعنوية لدى عرب الأرض المحتلة، وفي داخل «إسرائيل» نفسها، بينما ظهر في آن واحد أن اشتداد التيار المعادي للصهيونية بين صفوف عرب الأرض المحتلة، قد بدأ يضع العناصر العربية القليلة المتعاونة مع السلطة الإسرائيلية في وضع حرج أصبح يحد من نشاطها وفعاليتها. 
وقد أجمعت وكالات الأنباء العالمية على أن الأرض المحتلة شهدت منذ حرب تشرين اتساع النضال السياسي والمسلح بأشكالهما كافة. والواقع أن حركة التحرر الوطني العربية كلها دخلت مع حرب تشرين في وضع جديد ومرحلة جديدة، فلقد اتضح، من الناحية العسكرية أن المقاتل العربي أثبت قدرته على القتال، وكفاءته في استخدام السلاح، وحطم أسطورة الجيش «الإسرائيلي» الذي لايقهر. وكان طبيعياً أن يتضح من ثم، من الناحية السياسية، أن الحرب بلورت القضيتين الأساسيتين، كشرطين أساسيين للحل، وهما تصفية آثار العدوان لعام 1967 بالانسحاب من الأراضي المحتلة، وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره على أرضه. ولقد أصبح التركيز بعد حرب تشرين على ضرورة الوحدة داخل حركة المقاومة الفلسطينية.
وإن أوضح ما يميز المرحلة الجديدة الناجمة عن الحرب، أو على الأقل ما يجب أن يميزها، ليس هو ما أتاحته الظروف الجديدة من الإمكانات لحل بعض المهمات الأساسية فحسب، وإنما تشديد النضال، بأشكاله المختلفة، وعلى جبهاته المتعددة، وبمنتهى الحرص على الوحدة والتماسك بين جميع فصائل حركة التحرر الوطني العربي، ولاسيما فصائل حركة المقاومة الفلسطينية، من أجل إيجاد الحل الناجع لهذه المهمات وتطبيقه. ولقد أصبحت المسائل الهامة الراهنة تتطلب من جميع فصائل المقاومة الفلسطينية معالجتها بما هو في غاية الجدية والشعور بالمسؤولية وبالطريقة الديمقراطية الواسعة، مع بذل الجهود كافة في سبيل الحفاظ على تماسكها ووحدتها، وتعزيز أواصر هذه الوحدة. وإنها لتتطلب من القوى الوطنية والتقدمية في العالم العربي كله أيضاً تعزيز وتلاقي كل ما يؤدي إلى التفسخ والانقسام، كما تتطلب من هذه القوى المبادرة إلى تقديم الدعم الشامل للحركة الوطنية والفلسطينية والأخذ بيدها في مواجهة القضايا الملحة المطروحة عليها في المرحلة الحالية. ويجدر بنا هنا التأكيد أن ذلك،إنما يمليه على كل هذه القوى تعقد الظروف والملابسات في المجالات العربية والدولية. فالصهيونية العالمية و«إسرائيل» لن تلقيا السلاح بسهولة بل ستتابعان، بكل ما لديهما من قوى وإمكانات، التآمر على حركة التحرر الوطني العربية والفلسطينية، وهذا ليس ابتغاء سلبها المكتسبات التي حققتها حركة التحرر العربية والفلسطينية في حرب تشرين والسنوات القلائل التي سبقتها فحسب، بل لإرجاعها أيضاً سنوات إلى الوراء.

 

تأثيرات حرب تشرين على الصعيد العربي:
1ـ لقد أحدثت حرب تشرين التحريرية هزة عميقة في الوجدان العربي وعاد الذين كفروا بأمتهم العربية في أعقاب حرب حزيران 1967 إلى جادة الإيمان، وأيقنوا أن هذه الأمة مازالت قادرة على العطاء، وأن أمة أنجبت الرسول العربي (ص) لايمكن إلا أن تظل مرفوعة الرأس شامخة الجبين. 
2ـ ولعل أهم النتائج التي حققتها حرب تشرين التحريرية، هي تحرير الإرادة العربية وتخليص الشعب العربي من شوائب الضعف واليأس التي علقت به بعد حرب حزيران 1967. 
نعم «لقد حررت الحرب» ـ كما قال الرئيس حافظ الأسد ـ «نفس الإنسان العربي من بذور الشك والريبة وسموم القلق والخوف، وأعادت إليه ثقته بنفسه واعتزازه بشخصه وأمته وارتباطه بأمسه ويومه وغده، وحلت عقدة الذنب والشعور بمرارة الهزيمة والتقصير، وأحيت في أعماقه الأمل والرجاء، وبعثت فيه القوة والجرأة، والقدرة على الصمود والتحدي والفعل». 
3ـ ومن نتائج حرب تشرين على الصعيد العربي الواسع أنها حررت الأجيال العربية من عقدة التكنولوجيا الحديثة. بعد أن ثبت أن بإمكان الجيوش العربية أن تستخدم الأسلحة الحديثة والمعقدة بمهارة ونجاح، وأن تستوعب أسرارها وتحيط بالتقنية العسكرية التي كان العدو الإسرائيلي يدعي احتكارها.
4ـ لقد كان من مكاسب معركة تشرين استعمال العرب النفط سلاحاً فعالاً في المعركة. وكان للتدابير التي اتخذتها الأقطار العربية المصدرة للنفط دور بارز في دفع المجتمع الدولي للتحرك باتجاه تنفيذ الحل العادل للنزاع العربي - الإسرائيلي. لقد كشفت حرب تشرين النقاب عن أن ثمة إمكانات واسعة، على العرب أن يولوها اهتمامهم، على صعيد الثروات الطبيعية الضخمة، وعلى رأسها الثروة النفطية التي تملكها الأقطار العربية. 
أجل لقد برزت في ميدان المعركة حقيقة ناصعة هي أن العرب أمة واحدة، من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، وأن امتزاج دماء الأبطال الذين هرعوا من معظم الأقطار العربية، سواء القريبة من مسرح الأعمال القتالية أو البعيدة، للمشاركة في القتال إلى جانب أبناء سورية ومصر إنما هو الدليل القاطع على أصالة هذه الأمة وإصرارها على التمسك بوحدتها في ساعة الخطر.
تأثيرات حرب تشرين على الصعيد الدولي: 
1ـ كان لحرب تشرين التحريرية دور بارز على الصعيد الدولي، ترك آثاراً واضحة، وأحدث تغييرات أساسية في مواقف الكثير من دول العالم. ومن أهم نتائج حرب تشرين أن العالم أصبح ينظر بغير العين التي كان ينظر بها للعرب بعد حرب حزيران 1967. ذلك أن المجتمع الدولي لايمكن أن يتحسس بقضية نام أصحابها لايحركون ساكناً. لذلك عندما هبّ العرب في السادس من تشرين 1973 لتحرير أرضهم استفاق المجتمع الدولي الذي شعر بتقصيره حيال الأمة العربية بعد حرب حزيران 1967. ولذلك أيضاً بدأت الدولتان الكبريان العمل الحثيث من أجل وضع الحل العادل للنزاع العربي الإسرائيلي موضع التنفيذ. 
2ـ كان الاتحاد السوفييتي أكثر الدول العظمى ابتهاجاً بنتائج حرب تشرين، فقد قاتل العرب بأسلحته المتنوعة وأحرزوا نتائج عظيمة جداً، وقد أسقطت صواريخ سام 6 الطائرات الإسرائيلية من السماء العربية. كما أثبتت معارك الدبابات على الجبهتين السورية والمصرية تفوق الدبابة ت 62 وت 55 السوفيتية الصنع، على الدبابات الأمريكية «باتون» م 60 و م48 والدبابات الانكليزية من طراز«سنتوريون»، كما استعادت الميغ 21 سمعتها كطائرة قتال اعتراضية معاصرة. كما أثبتت عربة القتال المدرعة ب م ب المجهزة بمدفع وصاروخ (ساغر) أنها أفضل عربة قتالية في العالم لا ريب في أن هذه النتائج سيكون لها صداها وانعكاساتها في أوروبا الغربية، لاسيما في حلف شمالي الأطلنطي. 
3ـ أحدثت الحرب الرابعة بين العرب وإسرائيل تأثيرات جمة في الساحة الأوربية، وذلك لقرب أوروبا من الشرق الأوسط ولاعتمادها اعتماداً رئيسياً على البترول العربي.كما أن بروز أهمية العتاد الحربي السوفييتي في حرب تشرين، لاسيما الصواريخ المضادة للطائرات والدبابات، فتح عيون الأوربيين على حقائق جديدة وهي أن عليهم الاعتماد على أنفسهم في الدفاع عن بلادهم، لأن حلف شمالي الأطلنطي غير قادر على الصمود طويلاً أمام حلف وارسو، لأن الولايات المتحدة غير قادرة عملياً على أن تزج بقواتها في مسرح عمليات أوروبا إلا بوجود هذه القوات مسبقاً هناك. 
تأثيرات حرب تشرين على صعيد «فن الحرب»: 
1ـ أحدثت حرب تشرين التحريرية انعطافاً هاماً على صعيد «فن الحرب»، ذلك أن الطرفين المتصارعين استخدما ما يكاد يكون أحدث مبتكرات الدولتين الكبيرتين (الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة) من وسائط الصراع المسلح باستثناء الأسلحة النووية، ولذلك كان مسرح الأعمال القتالية في منطقة الشرق الأوسط مختبراً حقيقياً لترسانتي الأسلحة، الأمريكية والسوفيتية. 
2ـ إن المعارك العديدة التي دارت على جبهتي الجولان وقناة السويس تكوّن في حد ذاتها انعطافاً حاسماً: لا على مسرح عمليات الشرق الأوسط فحسب، وإنما كدروس تعطى على المستويين التكتيكي والعملياتي، وستدرس معارك تشرين التحريرية في المعاهد والأكاديميات العسكرية لفترة طويلة. 
3ـ لم يعد لسلاح الطيران، على أهميته، القول الفصل في الحروب المقبلة، وأصبح الدفاع الجوي الذي يعتمد على شبكة كثيفة من الصواريخ الموجهة قادراً على التصدي لطيران العدو ومنعه من تحقيق مهمته وتدميره إذا أصرّ على التنفيذ. كذلك دلت حرب تشرين على أن لوقاية الطائرات في الملاجئ دوراً بارزاً في حماية سلاح الطيران من أية مفاجأة غير محسوبة. 
4ـ تميزت حرب تشرين بالبروز الهائل لدور الصواريخ المضادة للدبابات والموجهة الكترونياً، وقد أحدثت هذه الصواريخ في الطرفين المتصارعين إصابات بليغة في الدبابات والعتاد المدرع. 
5ـ لقد شهدت حرب تشرين لاسيما في مرتفعات الجولان أكبر معارك الدبابات في العالم، ولم يحدث في التاريخ أن هوجم الدفاع المعادي بـ 770 دبابة، تزج في آن واحد ومن طرف واحد، وأن يقابل هذا الحشد من الدبابات عدد مساو له أو أقل بقليل من الدبابات «الإسرائيلية»، وأن تستمر تغذية المعركة بالدبابات، حتى بلغ عدد مازجه الطرفان منها أكثر من ألفي دبابة. 
6ـ كادت الحرب العالمية الثانية والحروب التي تلتها أن تضع نهاية حزينة لسلاح المشاة. حتى أن الكثيرين من الكتاب العسكريين باتوا يتندرون بهذا السلاح الذي أصبح في نظرهم أثراً من تراث الماضي. ولكن حرب تشرين التحريرية أعطت جندي المشاة دوره الفعال في المعركة الهجومية والدفاعية وهذا دليل آخر على أن الإنسان هو العامل الحاسم في المعركة. 
7ـ أثبتت حرب تشرين التحريرية أيضاً أهمية الاحتياطات التي تملكها القيادة العامة وجاهزيتها للحركة المحمية على أكثر الاتجاهات أهمية، وأن لها دوراً هاماً في تقرير نتيجة المعركة وحسمها.