الرئيسية  الموسوعة  تاريخ المؤسسة  تفاصيل

 

الفريق حافظ الأسد (1930- 2000)

سُمي وزيراً للدفاع في 23/2/1966
رجل دولة، ورجل تاريخي على المستوى القومي العربي، وقائد عسكري كبير.
رئيس الجمهورية العربية السورية منذ 12 آذار 1971، والأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي.

 

 السيرة الذاتية:
ولد في القرداحة بمحافظة اللاذقية، من بيت فلاحي كريم، يوم السادس من تشرين الأول1930 .
أتم دراسته الإعدادية والثانوية في ثانوية البنين في اللاذقية (جول جمال حالياً) بين عامي 1944-1951.
تجلت شخصيته القيادية في سن مبكرة، وهو مازال على مقاعد الدراسة، فبرز في قيادة الحركة الطلابية في سورية بما تحلى به من مواهب الذكاء والنظرة النافذة البعيدة، وقوة الحجة والإقناع في ميدان الحقائق العلمية والتاريخية والسياسية، علاوة على مزايا القائد الشجاع الصلب الإرادة وسجايا الخلق الكريم.
أنتسب إلى حزب البعث العربي الاشتراكي منذ تأسيسه رسمياً في عام 1947، وكان على صغر سنه ممن أسهموا في بلورة أفكار حزب البعث العربي الاشتراكي، وتحديد آفاق مسيرته بين أوساط الشاب والمثقفين.
التحق بالكلية العسكرية، ثم بكلية الطيران، وتخرج منها برتبة ملازم عام 1955.
نُدب إبان الوحدة للخدمة في الجيش المصري، حيث شارك في تأسيس اللجنة العسكرية، التي تولت قيادة النضال السري للحزب حتى قيام ثورة آذار 1963، وكان أحد أبرز أعضائها.
عند وقوع الانفصال فرضت عليه الإقامة الجبرية في القاهرة، ثم زج به هناك في السجن مدة /55/ يوماً، لانتقاده تصرفات المخابرات المصرية ومسؤوليتها في وقوع كارثة الانفصال.
بعد عودته إلى سورية نقل مع رفاقه من الضباط البعثيين والتقدميين إلى الوزارات المدنية.
شارك في ثورة الضباط الأحرار في حلب، ربيع عام 1962، وبعد إخفاق الحركة توجه إلى لبنان، فألقي القبض عليه هناك، ثم سلم إلى الانفصاليين الذين زجوا به ورفاقه في سجن المزة.
بعد خروجه من السجن قام بدور بارز، تخطيطاً وتنفيذاً، في ثورة الثامن من آذار، التي تولى الحزب في أعقابها مقاليد السلطة.
وبعد ثورة الثامن من آذار عام 1963 أصبح عضواً في المجلس الوطني لقيادة الثورة، كما انتخب في مؤتمرات الحزب التي أعقبت الثورة عضواً في القيادتين القومية والقطرية، فأسهم إسهاماً كبيراً في إنجاز قوانين التأميم وإصدارها.
أثبت كفاءته في مختلف القيادات التي تولاها بدءاً من قائد سرب جوي، وحتى سمي قائداً للقوى الجوية والدفاع الجوي في 2/12/1964.
كان له دور هام إنجاز حركة 23 شباط 1966.
سُمي وزيراً للدفاع في 23/2/1966. ورُقي إلى رتبة فريق جوي في 1/7/1968.
بعد عدوان إسرائيل على الدول العربية في حزيران 1967 أصبح الهاجس الأكبر للأسد المعركة المقبلة مع العدو وتحقيق النصر، فالتفت حوله جماهير الشعب وجموع الحزب والقوات المسلحة لأنه كان يجسد في نظرها الأمل المرتجى والقدرة على التغيير.
على أثر تفاقم المناورات الحزبية داخل القيادة، قاد الأسد في 16/11/1970 الحركة التصحيحية التي حسمت ذلك الجدل البيزنطي ووضعت سورية على النهج الصحيح.
وفي 12/آذار 1971 أجمع الشعب، باستفتاء عام، على انتخابه رئيساً للجمهورية. ثم انتخب أميناً قطرياً في 14/5/1971 وتبنى الحزب في مؤتمره القطري شعار «قائد المسيرة» وفي 23/8/1971 انتخبه المؤتمر القومي أميناً عاماً للحزب.
كان أهم ما أنجزه في أعقاب الحركة التصحيحية إخراجه سورية من عزلتها العربية والدولية الخانقة، وجعلها قوة فاعلة أساسية، لا منفعلة هامشية، ثم التفاف القيادة السياسية والوطنية والتقدمية، على اختلاف مشاربها حول قيادته في جبهة وطنية واحدة، تصب في تيار واحد، بعد كانت قوى متصارعة تعصف بها كل ريح.
كان هاجسه الأول بعد الحركة التصحيحية، رفع القدرة القتالية للقوات المسلحة لتحقيق النصر، فكرس معظم وقته وجهده لتحقيق هذا الهدف.
خاض الجيش العربي السوري بقيادته غمار الحرب في 6 تشرين الأول 1973، ضد إسرائيل، بالتعاون مع الجيش المصري، فكانت هذه الحرب التحريرية نقطة تحول في مسار الصراع العربي الصهيوني، قلبت المعادلات وغيرت المفاهيم، وأغنت الفكر العسكري المعاصر بنظريات جديدة، وأنهت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.
وبينما كان السادات يوقف القتال مع إسرائيل، أمر الأسد بشن حرب استنزاف في الجولان وجبل الشيخ، استمرت حتى تمت - بإشراف الأمم المتحدة - عملية فصل بين القوات في أيار 1974، استعادت سورية فيها القنيطرة وجزءاً من الأراضي المحتلة في عدوان 1967.
بعدما استفحلت الحرب الأهلية اللبنانية، لبى الأسد نداء الشرعية اللبنانية، وغالبية الشعب اللبناني، فدخلت بعض تشكيلات الجيش العربي السوري لبنان في حزيران 1976، وأوقفت الاقتتال بين الأخوة، وساد السلام والأمن معظم الأراضي اللبنانية.
بعد أن سافر السادات إلى القدس لاهثاً وراء «السلم المنفرد» في عام 1977 صمد الأسد في وجه هذه الردة، فكان له الفضل الأول في قيام جبهة الصمود والتصدي التي تألفت من سورية والجزائر وليبيا وجمهورية اليمن الديمقراطية ومنظمة التحريرية الفلسطينية.
وعشية إبرام اتفاقية (كامب ديفد) في العام 1978، حسبت الولايات المتحدة أن المنطقة العربية سقطت في دائرة نفوذها. لكن الأسد بدد أحلامها إذ لم يسمح للموقف العربي أن يوالي التدهور، ورفع في ظروف بالغة الصعوبة. راية الصمود العربي، لمجابهة المخططات الأمريكية والصهيونية مهما بلغت التضحيات.
تابعت الإمبريالية الأمريكية هجومها العنيف الشرس على الأسد بعد أن عدلت تكتيكها، واستخدمت آخر ورقة سياسية لها بتحريك عملائها، فتصدى الأسد لهذه الهجمة بهدوء أعصاب، فأطفأ حرائق كثيرة وقضى على قتلة سفكوا دماء بريئة من المناضلين والوطنيين والتقدميين والعلماء.
كان الأسد يعلق أملاً كبيراً على مساندة الثورة الإسلامية الإيرانية للقوات المسلحة السورية في تحرير بيت المقدس من الاحتلال الإسرائيلي، ولكن نشوب الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 حال دون تحقيق هذا الهدف.
شجب الأسد هذه الحرب المجنونة، منذ اندلاعها، وعمل على تطويقها وإخماد نارها. وكان للأسد رؤيته المستقبلية الصائبة في هذا المجال، فكان لموقفة المتوازن من الصراع أبلغ الأثر في تطويق امتداد الحرب على أقطار عربية أخرى، وفي عدم تكريس العداء بين الشعبين العربي والفارسي، اللذين عاشا حقبة طويلة من التاريخ المشترك.
ولما شجعت أمريكا إسرائيل على اجتياح لبنان في حزيران 1982 أصدر الأسد أوامره للقوات السورية في لبنان للصمود في مواقعها فقاتل الجيش العربي السوري في بيروت والبقاع والجنوب اللبناني رغم الظروف العصيبة والمعقدة وتمكن من صد الغزو الإسرائيلي وإيقافه.
بعد أن وقع المفاوض اللبناني مرغماً اتفاق الإذعان في أيار 1983 مع إسرائيل، وقف الأسد ضده ولم يدخر وسعاً في دعم المقاومة اللبنانية، فأضطر رئيس الجمهورية اللبناني مكرها إلى إلغاء هذا الاتفاق.
ولما اندلعت الحرب من جديد بين الفئات اللبنانية، استجاب الأسد مرة أخرى لمناشدات اللبنانيين الشعبية والحكومية، فكان له الدور الأول في حماية لبنان والحفاظ على وحدته وسلامة أراضيه وإنقاذ حياة الأكثرية المطلقة من الشعب اللبناني والمحافظة على أموالهم ومصالحهم. وكان له الفضل في دعم الشرعية اللبنانية المتمثلة باتفاق الطائف.
قام الأسد بدور بارز في دعم الكويت إثر الاجتياح العراقي في آب 1990، وأرسل إلى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية تشكيلات هامة من الجيش العربي السوري للدفاع عنها.
كانت القضية الفلسطينية، على الدوام، في رأس اهتمامات الأسد فهو الذي أطلق عليها عبارة «القضية المركزية الأولى للأمة العربية». فاحتضنها ودافع عنها، وظل يرى في منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وعندما هب الفلسطينيون في وجه الاحتلال الإسرائيلي تحمل الأسد بكل رجولة مسؤولية دعم الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلة.
نادى بالوحدة العربية، وناضل في سبيل تحقيقها ولم يعرف اليأس رغم جسامة الصعاب التي واجهته فظل يرى في الوحدة أبرز الأهداف القومية إلى جانب الحرية والاشتراكية،
القائد الأسد هو الذي وضع مبدأ «التوازن الاستراتيجي» بين سورية وإسرائيل تعويضاً أساسياً عن الخلل الذي أصاب الموقف العربي بعد (كامب ديفيد)، فدأب على وضع الخطط لحشد جميع الطاقات الممكنة، وعلى متابعة عمليات التنفيذ باستمرار لتحقيق هذا المبدأ.
شارك في مؤتمرات القمم العربية والإسلامية والإفريقية، كما شارك في مؤتمرات القمة لدول عدم الانحياز.
منحه مجلس السلم العالمي وسام السلم تقديراً منه لنضاله المشرف في سبيل تحقيق العدل والسلام في جميع أنحاء العالم. كما منح العديد من أرفع الأوسمة العربية والعالمية.
أرسى العلاقات بين سورية والاتحاد السوفييتي وسائر دول أوروبا الشرقية على قاعدة موضوعية من التكافؤ والاحترام المتبادل، عبرت عنها معاهدات الصداقة والتعاون التي عقدها مع هذه الدول، فحظي فيها بتقدير كبير لم يحظ به غيره من زعماء العالم.
استطاع بقيادته الحكيمة أن يواجه بنجاح الضغوط الاقتصادية التي عانت منها سورية بسبب سياستها القومية المستقلة، ولاسيما في ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية، وذلك بانتهاج سياسة الاعتماد على الذات وترشيد الاستهلاك.
عزز دور اتحاد الفلاحين واتحاد العمال فأصبحا يتمتعان بصلاحية إصدار القرارات التي لها قوة القانون، في مجال عملهما.
أصدر العديد من القوانين لمصلحة الفئات الكادحة من أبناء الشعب منها قانون العاملين الموحد وقانون الضمان الصحي.
طور مؤسسة القوات المسلحة، كماً وكيفاً، أسلحة وعقيدة، حتى غدا الجيش العربي السوري أمل الأمة العربية من المحيط إلى الخليج.
استعاد مجلس الشعب في عهده تراثه التقليدي في الحوار والجدال والمناقشة، ومكافحة الفساد وتقويم الاعوجاج.
حقق اللامركزية الواسعة في الدولة بإصدار قانون الإدارة المحلية والسهر على تطبيقه.
شاد الجامعات والمعاهد الكثيرة وخاصة جامعة تشرين والبعث وأكاديمية الأسد للهندسة العسكرية والمعهد الوطني للتطبيقات والتكنولوجيا.
رعى الطفولة وأنشأ منظمة الطلائع، كما رعى الشبيبة وأنشأ اتحاد شبيبة الثورة الذي يعتبر أحد الروافد الهامة للقوات المسلحة.
كرم الشهداء وحمى عائلاتهم،وأنشأ لأبنائهم مدارس خاصة، مما بوأ سورية في هذا المضمار مركز الصدارة بين الأمم كافة.
خطيب يستهويه الارتجال، فيتكلم بهدوء ودونما انفعال، ساعات طوالاً، يصغي إليه الناس فيها بشوق وتقدير.
مبدع أفكار، ومنظّر، مهاجم ومناور بارع، ملتزم بالمنطق، فرغم ما شحن عهده بصاخب الأحداث التي تهد الجبال الراسيات ظل حكمه هو الأكثر استقراراً في سورية على مدى تاريخها الطويل.
منحته رئاسة جامعة دمشق الدكتوراه الفخرية لدوره الفاعل في تنشيط المعرفة في البلاد.
دخلت سورية في عهده عصر الفضاء، وذلك عام 1987.
ثابت في الأهداف الإستراتيجية، بيد أنه - عند اقتضاء الضرورة - يتحرك بمرونة فائقة. ولكن يبقى الهدف الأساسي ماثلاً أمام عينيه.
يعد مدرسة قائمة بذاتها في الأخلاق والترفع عن الصغائر ومحبة الناس والقيادة الحكيمة والإحاطة العلمية، والمعرفة الموسوعية، ويعتبر بجدارة أحد أفذاذ معلمي الإستراتيجية وصانعيها في القرن العشرين

وفي العاشر من حزيران عام 2000م وافته المنية وانتقل إلى جوار ربه.