الرئيسية  البنية التنظيمية  القوات المسلحة العربية السورية  القوات البرية  تاريخ

تاريخ القوات البرية

يعود تاريخ القوى البرية إلى حقبة النضال العربي ضد الأتراك العثمانيين وتشكيل «الجيش العربي»، في عهد أول حكومة عربية قامت في دمشق في الفترة بين 1/10/1918 و 25/7/1920،ولتحقيق ذلك صدر أمر من «ديوان الشورى الحربي» بحلّ «الجيش الشمالي» وتسريح قسم كبير من ضباطه وأفراده، والمباشرة عن طريق «التأطير» والاستدعاء للخدمة والتطويع، بتشكيل جيش منظم حسب الأصول العسكرية الحديثة.
كان الملاك المقترح للجيش العربي يقضي بأن يكون عدده في حدود 18000 مقاتل، وبهدف استكمال الملاكات تم افتتاح مدرسة حربية في «جامع دنكز» لتخريج أفواج جديدة شابة من الضباط، ومدرسة عسكرية متوسطة (رشدية) لتخريج صف الضباط، وحاولت القيادة سد النقص الحاصل في عدد الجنود عن طريقين: التطوع، والخدمة العسكرية الإلزامية.
وبعد تشكيل الوزارة الدفاعية في 3أيار 1920، وتولّي يوسف العظمة وزارة الدفاع أخذ على عاتقه مهمة تنظيم الجيش وإيجاد هيئة أركان جديدة له تتألف من عدة فروع.
تكون ملاك الجيش العربي السوري من ثلاث فرق:
1) الفرقة الأولى: مقرها في دمشق، وبلغ تعداد هذه الفرقة 5000 مقاتل، وامتدت ولاية هذه الفرقة من حمص شمالاً حتى الشيخ مسكين جنوباً، ومن البادية شرقاً حتى الخط الذي يمتد بين تلكلخ وسهل البقاع والقنيطرة من الغرب، وهذه الفرقة هي التي جابهت العدو الفرنسي في معركة ميسلون .
2) الفرقة الثانية: مقرها درعا، وكانت صلاحيتها تمتد شمالاً حتى الشيخ مسكين وجنوباً حتى معان والعقبة، وغرباً حتى الأراضي الفلسطينية التي كان يسيطر عليها الإنكليز.
3) الفرقة الثالثة: مركزها حلب، تشمل جنوباً حتى حماة وشمالاً حتى موقع جرابلس، وشرقاً حتى العراق وغرباً حتى أراضي المنطقة الساحلية التي كانت تسيطر عليها القوات الفرنسية.
وكانت كل فرقة من الفرق الثلاث تضم ثلاثة ألوية مشاة، ولواء مدفعية، وتألف لواء المشاة من ثلاثة أفواج، وضم الفوج الواحد ثلاث سرايا وسرية رشاشات.
لقد كان دور القوى البرية في هذه المرحلة بارزاَ من خلال الدور المشرف في معركة ميسلون بقيادة الشهيد يوسف العظمة، الذي وجد نفسه مضطراً لخوض معركة كان يعرف سلفاً أنها خاسرة من الناحية العسكرية، ولكنها من الناحية الوطنية حشدت جميع أبناء الشعب السوري وعبأتهم وطنياً ضد الانتداب، وهكذا يمكن القول إن البذرة الأولى للثورات المسلحة التي تفجرت في سورية بين 1925 و1927، قد ألقيت يوم ميسلون.
لقد دخل العرب السوريون - وعلى رأسهم وزير حربيتهم يوسف العظمة - ميسلون لكي يبرهنوا للعالم أجمع أن جيوش فرنسا لم تكن تغزو، في يوم 24 تموز 1920، (أرضاً بلا شعب)، وإنما كانت تغزو بلداً مستقلاً له جيش فتي لا يرضى بتدنيس أرض الوطن إلا بعد دفع ضريبة الدم، لقد آثر هذا الجيش أن يقوم بواجبه كاملاً في الدفاع عن الوطن مهما بلغت الخسائر والتضحيات، ولهذا فلا غرابة أن تصل نسبة الخسائر فيه إلى ربع عدد الضباط وخُمس عدد الجند الذين خاضوها.
إثر أحداث شهر أيار عام 1945 واندلاع الاصطدامات الدامية مع الوحدات العسكرية الفرنسية المتمركزة في البلاد، قامت الحكومة السورية بإصدار سلسلة من القوانين استهدفت إنشاء وحدات عسكرية سورية على وجه السرعة، فأصدرت الحكومة أولاً القانون رقم 190 في 26 أيار 1945، الذي حدد مهام «وزارة الدفاع الوطني» لأول مرة، وأتبعته بالقانون رقم 192، الذي يقضي بتخويل الحكومة دعوة المواطنين إلى الخدمة، وأتبعت ذلك بقانون ثالث رقم 194 في 29 أيار 1945 يتعلق بتأليف «القوة الاحتياطية»، ويقضي بإنشاء قوة مشاة احتياطية تضم 5000 رجل بين ضابط وصف ضابط وجندي، ترتبط بقيادة الدرك الوطني مؤقتاً.
وقد نص القانون على جعل هذه القوة في ثلاثة ألوية، وأن يتكون كل لواء من ثلاث كتائب، وأن تتكون الكتيبة الواحدة من أربع سرايا، وان تضم السرية الواحدة 150 فرداً.
وتنفيذاً لاتفاق 30/7/1945 نُقلت مسؤولية الوحدات السورية في القطعات الخاصة إلى سلطة الحكومة السورية في الأول من آب 1945، وهي تشمل سبعة أفواج مشاة مع عدد من الوحدات المساعدة.
بدأ تنظيم الجيش السوري على أسس جديدة، بمجرد استلامه من سلطات الانتداب، حيث أصدرت قيادة الأركان الحربية الأمر رقم 55/3 في 29آب 1945، الذي قضى بأن يجتمع كل فوجي مشاة في تشكيل لواء واحد بحيث أصبح هناك:
اللواء الأول ومركزه دمشق، اللواء الثاني ومركزه حلب، اللواء الثالث ومركزه دير الزور، وعُزز كل لواء بفوج ميكانيكي وفوج مدفعية.
وبالإضافة إلى هذه التشكيلات التي تعتمد على «اللواء» كوحدة أساسية، صدر أمر إداري آخر، في 1/10/1945، قضى بتوسيع قوى البادية بحيث تصبح السرايا الثلاث (التي كانت موجودة في زمن الانتداب) ثلاثة أفواج، وأن تنضم هذه الأفواج الثلاثة في تشكيلة واحدة باسم (لواء البادية) تكون قيادته في دمشق، وكان هناك سرية هجانة مستقلة، مركزها في مدينة حلب.
وفي 12 تشرين الثاني 1945 صدر المرسوم رقم 1271، الذي حدّد ملاك الجيش السوري في تشكيله الجديد.وفي بداية عام 1946 أعيد النظر في تشكيل ألوية الجيش الثلاثة وأصبح كل منها يضم وحدات دعم ثقيلة، ولم تأل القيادة العسكرية جهداً في سبيل استكمال النواقص من حيث التسليح والتجهيز والتدريب ضمن الإمكانيات المتاحة .
لم يكن قد مضى ثلاث سنوات على استلام وحدات الجيش السوري من سلطات الانتداب الفرنسي، حتى خاض هذا الجيش الفتي حرب فلسطين بإمكانيات متواضعة سواءً من حيث العَدد أو العُدد أو تدريب الأفراد، مع ذلك فقد تمكن من خوض معارك باسلة وتحقيق نتائج مقبولة في هذه الحرب.
عرف الجيش السوري والقوى البرية بشكل خاص تطوراً ملحوظاً بعد عام 1949 ، وبلغ قدراً أفضل في مستوى التدريب والتسليح في مرحلة الحكم الدستوري (1954 - 1958)، وقد نجح الجيش في تثبت دعائم التوجه الوطني - القومي - الديمقراطي - الدستوري في سورية والمساهمة مع القيادة السياسية في اتخاذ القرارات الصائبة لمواجهة المؤامرات الداخلية والخارجية بالوقوف في وجه المخططات الاستعمارية والصهيونية، ودعم حركات التحرر العربي، وتحقيق أول وحدة عربية بين سورية ومصر (1958)، وقد شكلت هذه التجربة لدور الجيش الوطني، بعد تطويرها لاحقاً، الأساس لدور الجيش العقائدي.
مما لاشك فيه أن القوى البرية في الجيش العربي السوري (الجيش الأول) تطورت تطوراً كبيراً خلال سنوات الوحدة، ويعود سبب ذلك إلى اتفاقية التسليح التي وقعتها سورية مع الاتحاد السوفييتي عام1957، والانتقال بعقيدة التدريب القتالي من العقيدة الغربية إلى العقيدة الشرقية بمساعدة مجموعة من الخبراء السوفييت، هذا بالإضافة إلى الدور المميز الذي لعبه عدد من القادة المصريين الذين عملوا في قيادة الجيش الأول وساهموا بشكل جيد في التطوير التنظيمي والمهني والإداري لوزارة الدفاع ولقيادة الجيش الأول وتشكيلاته.لقد خاض الجيش العربي السوري في فترة الوحدة العديد من المعارك مع إسرائيل وكانت معركة التوافيق، التي وقعت في 31 كانون الثاني 1960 إحدى المعارك المميزة من حيث حجم القوات التي اشتركت فيها والتحركات العسكرية التي رافقتها.
لقد عملت القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة بعد ثورة آذار، ورغم كل الصعوبات على تطوير البنية التنظيمية للجيش وزيادة قدرته القتالية، عن طريق توسيع أطر الجيش وزيادة حجمه وزيادة عدد وحداته المقاتلة، واستيراد الأسلحة الحديثة، وقد أمكن حتى عام 1967 إضافة لواء دبابات وعدة كتائب مدفعية، ميدان، وبعض وحدات التأمينات القتالية.
مع بداية حرب 1967 كان واقع القوات البرية كما يلي:
1ـ القوات العاملة:
ستة ألوية مشاة، و2لواء مدرع، ولواء مدفعية من خمس كتائب، وأربع كتائب مدفعية مستقلة، وفوج مدفعية م/د، وتسعة أفواج مدفعية م/ط دفاع إقليمي، وكتيبتا استطلاع، وكتيبتا مغاوير، وكتيبة مظللين، وثلاث كتائب مهندسين، وكتيبتا إشارة، وكتيبتا نقل،وكتيبة وقاية كيمائية، وفوج حرس حدود.
2ـ القوات الاحتياطية:
أربعة ألوية مشاة، وخمس كتائب مدفعية ميدان، وكتيبتا مدفعية م/ط، وكتيبتا م/د.
بعد وقف إطلاق النار بين سورية وإسرائيل في العاشر من حزيران 1967، كان في أولويات القيادة السورية الإسراع بتنظيم الدفاع بالقوات الموجودة، واستكمالها لإحباط أي عملية هجومية يحاول العدو القيام بها
عندما كانت قواتنا المسلحة في الفترة 1968 -1970 تعيد بناء قوتها معنوياً ومادياً, وتواصل تدريبها الشاق استعداداً لمعركة التحرير, كانت بنفس الوقت تخوض المعارك في حرب الاستنزاف, وتقدم الكثير من التضحيات وتظهر أمثلة مشرفة للبذل والعطاء, وتكبد العدو الصهيوني مزيداً من الخسائر في المعدات والأرواح, وتكتسب خلال الصراع المسلح المزيد من الدروس والعبر لتستفيد منها في المعركة المصيرية المقبلة.
لقد دفع شعبنا وجيشنا في حرب الاستنزاف خسائر كبيرة على طريق الكفاح من أجل تحرير الأرض المحتلة وبصورة عامة كانت حرب الاستنزاف مقدمة لابد منها لخوض حرب تشرين التحريرية، ففي معارك الاستنزاف تمرست القوات في القتال وتعززت الثقة بالنفس، واكتسبت قواتنا خبرات ميدانية هامة.
بعد حرب عام 1967 قيّمت القيادة العسكرية السورية بموضوعية نواحي الضعف التي عانى منها الجيش السوري خلال الحرب، وعند دراسة مسألة إعادة تنظيم وتسليح الجيش كان من أبرز القرارات:
• بناء قوات مسلحة حديثة قادرة على خوض الأعمال القتالية الدفاعية والهجومية ضد العدو الإسرائيلي.
• إحداث تنظيم فرقي ثابت الملاك، يضم ثلاثة أنواع من الفرق (مشاة ـ ميكانيكية ـ مدرعة)، على أن تضم كل فرقة جميع صنوف القوات البرية، مما يؤمن للتشكيل قوة الصدمة، وقوة النار، وقوة المناورة.
• إحداث وحدات وتشكيلات مستقلة من جميع صنوف القوات تتبع للقيادة العامة.
• الاعتماد على القوات النظامية العاملة والإقلال ما أمكن من الوحدات الاحتياطية.
• زيادة القدرة النارية وخاصة الأسلحة المضادة للدروع في تشكيلات القوات البرية.
في منتصف عام 1973 كانت القوات المسلحة السورية قد نما حجمها نمواً كبيراً، حيث بلغ ثلاث مرات في المشاة، وأربع مرات في الدبابات، وخمس مرات في المدفعية،وتشكلت وحدات جديدة من القوات الخاصة، ومن الدفاع الجوي والصواريخ م/ط والمدفعية والصواريخ أرض ـ أرض.
وجدير بالذكر أن الأسلحة السوفييتية التي تزود بها الجيش السوري لخوض حرب تشرين كانت من النوعية المتقدمة، وبخاصة أسلحة القوات البرية التي كانت متفوقة على مثيلاتها لدى القوات الإسرائيلية، ونخص بالذكر منها الدبابات الحديثة ت ـ 62، والعربة /ب ر د م/ الحاملة للصواريخ م/د، والناقلات /شيلكا/ المسلحة بالمدفع 63 ملم الرباعي المضاد للطيران، والناقلة المدرعة /ب م ب 1/المزودة بمدفع عيار 73 ملم وقاذف صاروخي م/د، والهاون 240 ملم ذا القدرة التدميرية الكبيرة ضد تحصينات العدو، والمدفع الطويل 180 ملم الذي يصل مداه إلى 42 كم، والصواريخ /لونا/ أرض ـ أرض التي يمكنها توجيه الضربات إلى الأهداف الحيوية في العمق العملياتي (حتى 75 كم).
تعتبر معارك الدبابات التي جرت في الجولان في حرب تشرين التحريرية من أعنف المعارك التي خاضتها الدبابات في التاريخ العسكري، قديمه وحديثه، سواء من حيث العدد أو من حيث النوع، أو بالعنف والشراسة التي اتسمت بهما معارك الدبابات.
أثبت الجندي السوري في حرب تشرين التحريرية شجاعة فائقة، سواء في اقتحام المانع الهندسي الكبير الذي أقامه العدو خلف خط وقف إطلاق النار أو في الاقتحام الرأسي لجبل الشيخ.
لقد واجه الجيش العربي السوري بشجاعة الثقل الأساسي للغزو الصهيوني للبنان وعلى الرغم من أن انتشار القوات السورية قبل الغزو كان لأغراض أمنية، لا دفاعية، فقد أنزلت قواتنا المسلحة بالعدو خسائر كبيرة ومنعته من احتلال البقاع، ثم من السيطرة على طريق دمشق ـ بيروت.
كان للقوى البرية في الجيش العربي السوري دور فعّال في عملية تحرير الكويت، وتميزت قيادتها بالتعاون التام مع قيادة القوات المشتركة، ومع القوات العربية والصديقة.
وجهت الجهود الأساسية للقيادة العامة بعد حرب الخليج الثانية باتجاه إعادة بناء القوات، والعمل على تعزيز ورفع القدرة القتالية لها، فقامت القيادة بتطوير البنية الهيكلية للقوات المسلحة على مختلف صنوفها، بما يتناسب مع المهام الضخمة الملقاة على عاتق كل صنف وسلاح، وفق متطلبات المعركة المشتركة الحديثة. فقامت بإحداث تشكيلات وقطعات جديدة تتطلبها حاجة القوات والحروب المقبلة وكان معدل التطور عالياً وفي زمن قياسي وبعض أنواع الأسلحة تضاعف من حيث العدد إلى جانب النوعية ومن ثم تم استيعابها بشكل جيد والتعامل معها بمهارة.
بعد تولي السيد الرئيس الفريق بشار الأسد مهامه الدستورية عام 2000 شهدت القوات المسلحة تطوراَ كبيراَ في الكم والنوع، وأعيد تنظيم وبناء القوى البرية وفق أسس جديدة تتناسب مع طبيعة المهام المستقبلية للقوات المسلحة، حيث أحدثت تشكيلات جديدة وزودت القوى البرية بأنواع متطورة من الأسلحة، كما تطورت أساليب تدريب وإعداد عناصر القوى البرية بالاستفادة من تجارب وخبرات المقاومة الوطنية اللبنانية في مواجهة العدو الصهيوني.
هذا التطور الذي شهدته القوى البرية كان له الدور الكبير في تمكين الجيش العربي السوري من التصدي لأدوات العدو الصهيوني وإسقاط المشروع الإرهابي التكفيري الذي استهدف سورية جيشاَ وشعباَ.